مقالات

غرباء عن الخطية كيف تجعلنا السماء قديسين

 

“ثم خطر على بالي فجأة، أيًا كان ما قاله، وأيًا كان ما تملقني به، عندما يعيدني إلى بيته، سيبيعني عبدًا”  (The Pilgrim’s Progress)

لا تزال كلمات شخصية “الأمين” تكشف عن الكلام المعسول للذات القديمة. نحن بحاجة إلى الروح القدس ليذكرنا به: مهما كانت الوعود التي تعدنا بها شهواتنا، مهما كان كلامها مجاملاً لنا، عندما تصل بنا إلى موطننا، ستلقي بنا في حفرة وتبيعنا عبيدًا.

يدق الرسول “بطرس” ناقوس الخطر: “أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، أَطْلُبُ إِلَيْكُمْ كَغُرَبَاءَ وَنُزَلاَءَ، أَنْ تَمْتَنِعُوا عَنِ الشَّهَوَاتِ الْجَسَدِيَّةِ الَّتِي تُحَارِبُ النَّفْسَ” (1 بطرس 11:2). إن اعتدى أحدهم على جسدك سيُعد ذلك فعلاً غادرًا، لكننا نجد هنا اعتداءً على النفس، وذلك من قِبَل أهوائنا المتمردة. لذا يناشد “بطرس” كل واحد منا موصيًا: “لا ترحب بقاتل نفسك، لا تفتح الأبواب الأمامية لعدو نفسك.” هذه مناشدات ملحة لكل من يعرف ما هي النفس. يفترض المرء أن اكتشافنا لجسدنا وهو يخفي خناجر موجهة إلى النفس كافٍ لتحفيز أي شخص عاقل على فرض التفتيش على البوابات. لكن مرة أخرى، نحن لسنا دائمًا عقلاء.

الرجاء المُسلح

خمر الخطية يجعلنا سكارى ويفقدنا صوابنا. تقبع الخطية عند الباب، ورغبتها موجهة نحونا. ما أقسى مطالبها، ما أعلى أصوات طرقها على الباب، ما أصعب المقاومة الضرورية وأشدها دموية. “وَإِنْ كَانَتْ يَدُكَ الْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَاقْطَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ، لأَنَّهُ خَيْرٌ لَكَ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ أَعْضَائِكَ وَلاَ يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ” (متى 30:5).

مع مثل هذا الطاغية المغري، يرسل “بطرس” سببًا قويًا آخر للدفاع عن البوابة، سببًا من السهل إغفاله: “أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، أَطْلُبُ إِلَيْكُمْ كَغُرَبَاءَ وَنُزَلاَءَ، أَنْ تَمْتَنِعُوا عَنِ الشَّهَوَاتِ الْجَسَدِيَّةِ الَّتِي تُحَارِبُ النَّفْسَ”. إنه لا يناشدنا كمزارعين أو نجارين أو حتى كجنود، بل يحرض الكنيسة على قتل الخطية استنادًا على هويتنا كغرباء ونزلاء. ارفضوا شهوات العالم كشعب الروح القدس، أناس ليسوا من هذا العالم، ولم يصلوا بعد إلى موطنهم. أفراح السماء ستميت خطايا الأرض.

هل سبق أن وصل رجاؤك السماوي إلى الأرض وطعن أقوى شهواتك؟ يريدك “بطرس” أن تُشهر جنسيتك السماوية، وأن يملأ بيتك ومستقبلك السماويين الأفق بسيوف تصل إلى كل مكان وتقطع ررؤوس الشهوات الجسدية. يدعوك “بطرس” قائلاً: “أيها المؤمن، هذا العالم ليس آمنا لك، أهواؤه تخدع، وشهواته تستعبد، وأمجاده ستفنى. لم تصل أقدامنا بعد إلى “صهيون”. العالم يمضي وشهوته تزول، يغرق كسفينة مدمرة في الهاوية. إذا سمحت لها، فإن شهوات ذاتك القديمة ستربطك على ظهر السفينة”.

 

ونحن نجتاز العالم، نسعى إلى أن نبارك العالم بمعرفة كيف يمكن أن يخلصوا هم أيضًا من الغضب الآتي.

لكن “بطرس” يذكرنا أيضًا بأن هناك نعيمًا في انتظار المؤمن: مكانًا لا تتوقع كثيرًا أنه أفضل من أن يكون حقيقيًا، مع شخص لا تصدق كثيرًا سيُجلسك على مائدته ويخدمك بعد كل ما فعلت (لوقا 37:12). لكن نعمة ربنا ليست كنعمة الإنسان، وهو أعد مكانًا لنا نحن الذين سنستقبل الملكوت وذلك فقط لأجل مسرته الحسنة. ويرسل رسوله برسالة تقول: “أيها الأحباء، كغرباء ونزلاء، المستعدون في أي لحظة أن تُدعَوا إلى وليمة على مائدتي، حاربوا كل ما يحارب مستقبلكم معي”.

“موسى”، مثال توضيحي

أليس “موسى” مثالاً واضحًا لنا؟ هذا ما اعتقده كاتب الرسالة إلى الالعبرانيين. فهو يقدمه كشهادة حية لرجل مكنه فهمه لنفسه على أنه غريب، ابن اسرائيلي في قصر غريب، من مقاومة أفضل ما يمكن أن يقدمه العالم لجسده. فهمه لذاته قاده إلى إنكاره لذاته.

“بِالإِيمَانِ مُوسَى لَمَّا كَبِرَ أَبَى أَنْ يُدْعَى ابْنَ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ، مُفَضِّلًا بِالأَحْرَى أَنْ يُذَلَّ مَعَ شَعْبِ اللهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ تَمَتُّعٌ وَقْتِيٌّ بِالْخَطِيَّةِ، حَاسِبًا عَارَ الْمَسِيحِ غِنًى أَعْظَمَ مِنْ خَزَائِنِ مِصْرَ، لأَنَّهُ كَانَ يَنْظُرُ إِلَى الْمُجَازَاةِ” (العبرانيين 24:11ـ26)

 

لم يُفَضل “موسى” بأن يُعرف فقط بأنه من بني “إسرائيل”، من سلالة العبيد، بل رفض أن يُسمى من أهل مصر. كان يريد أن يكون ابنًا منفيًا للإله الحقيقي وليس ابن ابنة فرعون. كان غريبًا في مصر وبالتالي حسب آلام مسيحه غنى أعظم من خيرات الملعونين. قال “موسى” الشجاع في قلبه: “سأبتعد عن هذه العصا التي تسمونها “صولجانًا”، سأبتعد عن هذا الاسم الذي تسمونه “نبيلاَ”، سأبتعد عن هذه الملذات التي تسمونها “آمنة”، وهذه الخطايا التي تسمونها “أفراحًا”، وهذه الأصنام التي تسمونها “آلهة”، وسأقترب منكِ أيتها الضربات والعقوبات والاحتقار والعار، لأنني أتطلع إلى ما وراء هذه الأحزان إلى المجازاة التي في أرض “عمانوئيل”.”

كان يعلم، كما كتب “إرميا بورو”:

“هناك فرق كبير بين نجاح الشرير، ونجاح المؤمن. يحمل الله شعبه عندما يرفعهم، كما يحمل النسر فراخه على أجنحته ويرفعهم إلى مكان آمن (أيوب 11:5)…. لكن عندما يرفع الله الشرير، يرفعه كما يفعل مع فريسته بمخالبه، يرفعه ليفترسه” (Moses, His Choice, 101).

 

بالإيمان رأى شعبه متجهًا نحو أرض الموعد وتاج فرعون غارقًا في قاع البحر، بلا حراك. كان اختياره لوطن لا يجمعه مع نساء مصر أو أموالها أو نفوذها أو آلهتها اختيارًا عمليًا. رحل “إِلَى وَطَنٍ أَفْضَلَ، أَيِ الْوَطَنِ السَّمَاوِيِّ. بِسَبَبِ إِيمَانِهِمْ هَذَا لَا يَسْتَحِي اللّٰهُ أَنْ يُدْعَى إِلَهَهُمْ (إلهه)، فَهُوَ قَدْ أَعَدَّ لَهُمْ (له) مَدِينَةً” (العبرانيين 16:11). وهكذا كغريب ونزيل، امتنع عن الشهوات الجسدية بل اعتبر عار المسيح غنى أعظم لأنه “كَانَ يَنْظُرُ إِلَى الْمُجَازَاةِ“.

متغرب إلى المجد

أيها المؤمن، أنت لا تنتمي إلى هذا العالم ـ كم مرة فكرت في هذا؟ هل تعترف به جهارًا، وتوضحه بالكلام، أنك تبحث عن وطن (العبرانيين 13:11ـ14)؟ وهل يؤهلك رجاء الوطن، ومجد الوطن، الإله الذي هو وطنك، للامتناع عن الشهوات الجسدية التي تحارب نفسك؟

يكتب “بطرس” رسالته إلى “المُتَغَرّبِينَ… المُخْتَارِينَ” (1 بطرس 1:1). لكن هذا يخبرنا أكثر عن أننا لم نعد من أهل هذا العالم، لا يترك بطاقات أسمائنا فارغة. إننا متغربون مختارون، نزلاء مختارون، غرباء عن العالم ومنسيون، لكننا في وطننا ويتذكرنا إلهنا، الذي انتقانا من العالم بنعمته. وكغرباء مختارين، اختارنا الله من العالم لنكون بركة روحية ونحن بعد في العالم:

“وَأَمَّا أَنْتُمْ فَجِنْسٌ مُخْتَارٌ، وَكَهَنُوتٌ مُلُوكِيٌّ، أُمَّةٌ مُقَدَّسَةٌ، شَعْبُ اقْتِنَاءٍ، لِكَيْ تُخْبِرُوا بِفَضَائِلِ الَّذِي دَعَاكُمْ مِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى نُورِهِ الْعَجِيبِ. الَّذِينَ قَبْلًا لَمْ تَكُونُوا شَعْبًا، وَأَمَّا الآنَ فَأَنْتُمْ شَعْبُ اللهِ. الَّذِينَ كُنْتُمْ غَيْرَ مَرْحُومِينَ، وَأَمَّا الآنَ فَمَرْحُومُونَ” (1 بطرس 9:2ـ10)

ونحن نجتاز العالم، نسعى إلى أن نبارك العالم بمعرفة كيف يمكن أن يخلصوا هم أيضًا من الغضب الآتي. نسافر، مقاومين إغراءات العالم وميل الجسد إليها، وعائشين زمان غربتنا مدركين أنه سينتهي قريبًا. يقول “بطرس”:

 لِذلِكَ مَنْطِقُوا أَحْقَاءَ ذِهْنِكُمْ صَاحِينَ، فَأَلْقُوا رَجَاءَكُمْ بِالتَّمَامِ عَلَى النِّعْمَةِ الَّتِي يُؤْتَى بِهَا إِلَيْكُمْ عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. كَأَوْلاَدِ الطَّاعَةِ، لاَ تُشَاكِلُوا شَهَوَاتِكُمُ السَّابِقَةَ فِي جَهَالَتِكُمْ، بَلْ نَظِيرَ الْقُدُّوسِ الَّذِي دَعَاكُمْ، كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا قِدِّيسِينَ فِي كُلِّ سِيرَةٍ.  لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ». وَإِنْ كُنْتُمْ تَدْعُونَ أَبًا الَّذِي يَحْكُمُ بِغَيْرِ مُحَابَاةٍ حَسَبَ عَمَلِ كُلِّ وَاحِدٍ، فَسِيرُوا زَمَانَ غُرْبَتِكُمْ بِخَوْفٍ، عَالِمِينَ أَنَّكُمُ افْتُدِيتُمْ لاَ بِأَشْيَاءَ تَفْنَى، بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ، مِنْ سِيرَتِكُمُ الْبَاطِلَةِ الَّتِي تَقَلَّدْتُمُوهَا مِنَ الآبَاءِ،  بَلْ بِدَمٍ كَرِيمٍ، كَمَا مِنْ حَمَل بِلاَ عَيْبٍ وَلاَ دَنَسٍ، دَمِ الْمَسِيحِ” (1 بطرس 13:1ـ19)

أليس هذا جميلاً؟ ألا تريد أن تعيش هكذا؟ تجنب الشهوات السابقة المخزية، والنجاح كأبناء مطيعين لأبينا السماوي القدوس، وإتمام زمان غربتنا الأرضي بتلك القوة التي اشتريت بدم المسيح؟ تتطلب مثل تلك الحياة ذهنًا مركزًا تمامًا على النعمة التي ستأتي إلينا عند ظهور “يسوع المسيح”. أو، مثل “موسى”، ذهن يتطلع إلى المجازاة.

لذا، بالإيمان، ونحن غرباء ونزلاء، نرفض أن نُدعى“ابْنَ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ، مُفَضِّلًا بِالأَحْرَى أَنْ يُذَلَّ مَعَ شَعْبِ اللهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ تَمَتُّعٌ وَقْتِيٌّ بِالْخَطِيَّةِ”، لأننا نتطلع إلى مستقبل مع المسيح. نحن غرباء، لكن غرباء وقريبًا سنُستقبل في موطن الحياة الأبدية والمجد والشركة مع الله نفسه في “أورشليم” الجديدة.

 

بقلم

“جريج مورس”

تم ترجمة المقال بالتعاون مع هيئة  Desiring God

يمكنك قراءة المقال باللغة الانجليزية من خلال الضغط على الرابط التالي:

https://www.desiringgod.org/articles/strangers-to-sin

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى