مقالات

أطفالنا بحاجة إلى القصص قوة الخيال في تشكيل القلب

يستغرق السير إلى المدرسة من بابنا الخلفي 195 ثانية تقريبًا. وهذا يعني أن قصتنا الصباحية يجب أن تصل إلى ذروتها السردية في حوالي دقيقتين، تاركة دقيقة واحدة للختام، أو دقيقة للإعداد للجزء التالي من مغامرات “جورج” قط الشارع المتمرد، و السيدة “كلاك كلاك” دجاجة جارتنا.

رغم إن قصصنا القصيرة التي نرويها في طريقنا إلى المدرسة تكاد تكون طويلة بما يكفي لتُسمى قصة، إلا أنها الجزء الأكثر ترقبًا في روتيننا الصباحي. تنجذب بناتي إلى هذه الحكايات الصغيرة لسببين: طبيعتهن ككائنات ذات تشكيل قصصي وطبيعة القصص التي تسعدنا وتعلمنا. لكن قوة القصص الساحرة ذات حدين: حقيقة أن القصص تجذبنا يجب أن تجعلنا كآباء وأمهات نتوقف لحظة لنأخذ حذرنا من النماذج التي نقدمها لأطفالنا.

كائنات ذات تشكيل قصصي

في محاولة لفهم جوهر حبنا للقصص، يمكننا أن نبدأ بالنموذج القصصي الشامل الذي يعرفنا من نحن ويُشكل توقعاتنا لما هو كائن وما يمكن أن يكون. يمكننا أن نبني حبنا للقصص على ما أسماه “كيفن ديونج” “القصة الأكبر”، أو القصة النموذجية للكتاب المقدس.

إن ما نسميه “تاريخ الفداء” هو في الأساس قوس سردي من الخليقة مرورًا بالسقوط والعهود والعصيان والسبي، وصولاً إلى تجسد المسيح وموته الكفاري وقيامته الغالبة، وصعوده ونشأة الكنيسة الأولى ونموها مع انتشار الإنجيل – كل هذا يتطلع إلى اكتمال الزمن في عودة المسيح ودينونته الأخيرة وخلق سماوات وأرض جديدة. ولأن مزاعم تاريخ الفداء تشمل الواقع كله – وتعطيه بداية ووسطًا ونهاية أبدية – فإن الكتاب المقدس يضع توقعات لما يعنيه أن تكون القصة قصة. إنه يقدم إطارًا للحبكة نفسها من خلال إنشاء مكان، وتقديم مشكلة، وتطوير التوتر المتصاعد إلى ذروة يتبعها كل حل ممكن.

إن قوس قصة الفداء في الكتاب المقدس لا يعني أن جميع القصص يجب أن تنتهي أو تتطور بنفس الطريقة، لكن الطابع القصصي لتاريخ الفداء يقدم تفسيرًا لما يمكن أن نسميه “الجوع السردي” – الشك العميق في أنه لا يوجد شيء في هذا العالم ثابت، والتوقع المفعم بالأمل بأن أي شيء وكل شيء قد يتقدم إلى الأمام مثل القوس.

لأن قصة الفداء في الكتاب المقدس تشمل التاريخ البشري كله، نعلم أننا يمكن أن نجد أنفسنا في مكان ما على طول مساره القصصي الهائل – في مكان ما في عمق نمو الكنيسة العالمية. وموضعنا داخل هذه القصة الأكبر يعلمنا، جزئيًا، أن نفهم من نحن. ومع ذلك، فإن هذه القصة الموسعة تتردد أيضًا في كل تجربة فردية للتحول من الخطيئة إلى الله في حياة تغيرت بالإنجيل. وهكذا، بينما نواجه الفداء كقصة واحدة ضخمة، فإننا نختبره أيضًا كقصص صغيرة لا حصر لها عن التبرير والتقديس والتمجيد.

صنع مثل خالقنا

إن شكل وأهمية تاريخ الفداء ما هو إلا إحدى الطرق لشرح كيفية تشكيلننا القصصي. يمكننا أيضًا أن نتعمق في دراسة نظرية الخليقة، على سبيل المثال، لربط وضعنا كمخلوقات بقدرتنا ورغبتنا في تأليف القصص. الله يصنع الواقع بصفته خالقه. بطريقة مماثلة، يقول “ج. ر. ر.” إننا كخالقين ثانويين نصنع عوالم من الكلمات. على الرغم من أن العوالم الخيالية تُظهر إبداعًا هائلاً، إلا أنها لا تستطيع التحرر من المنطق الأخلاقي بل وحتى اللاهوتي للعالم الذي خلقه الله، لأنها، على الأقل، تؤلف وتقرأ من قِبل البشر الذين يعيشون في عالم الله. وبعبارة أخرى، سواء اختار المؤلفون تبني أو تحدي الأساس الأخلاقي للواقع، فإن هذا الأساس يصبح دائمًا كسؤال مفتوح في أي عمل: كيف تصمد هذه القصة أمام الواقع؟

وبدلاً من ذلك، إذا كانت القصص من صنع البشر الذين صنعهم الله، الذي بدوره يصيغ الواقع، فيمكن للمؤلفين أن يقدموا الجمال والخير والحقيقة في مجموعة من العوالم المخترعة – وسيتمكن القراء بدورهم من التعرف على الخير المألوف والاندهاش منه، حتى لو بدا اللقاء مختلفًا بشكل كبير. يصور “توماس أوستن” الانتقال الأدبي العميق من عالم الله المخلوق إلى العوالم الخيالية في كلمات أغنيته:  “مجرد أن شيئًا لم يحدث لا يعني أنه ليس حقيقيًا”. في حين أن الأماكن أو الشخصيات قد تكون “مخترعة” وليست “تاريخية”، فإن أهمية أو معنى الأفعال والدوافع والأحداث ليست “مخترعة” بل منقولة من عالمنا إلى عالم آخر.

وفي الوقت نفسه، لا تتواجد الحقائق الأخلاقية واللاهوتية بصورة مهذبة في العوالم الخيالية فحسب؛ بل تميل إلى القفز إلى الخارج والانقضاض علينا. في نشرته الإخبارية الأخيرة “غرفة الأرنب”، يشير “أندرو بيترسون” في القصص إلى “قوة كبيرة لقول الحقيقة بشكل جميل”. ربما ليس غريبًا أن نميل إلى استخدام أفعال عنيفة لوصف تجربة قراءة هذا النوع الأدبي: “لقد استحوذ الفصل الأخير على انتباهي”. “لقد لفت انتباهي”. “لقد استولى عليّ هذا المشهد”. “أذهلتني تضحيتها”. لغة العنف ليست مجرد مبالغة، فالكنايات والاستعارات تقر بالقوة العظيمة للقصص في إجبار قلوبنا وعقولنا على رؤية الحقيقة.

نماذج قوية

ولكن قوة القصص العظيمة لا تقتصر على جعلنا نشعر في أعماقنا بما هو حسن، وجميل، وصحيح، ونقي، وممتاز، ورائع، وجدير بالثناء. تميل القصص إلى جعل كل ما تقدمه مقنعًا. ينبع جزء كبير من قوة القصص من قدرتها على مساعدتنا على رؤية ـ بنظرة مكبرة ـ ما أصبح بالنسبة لنا تافهًا ومبتذلًا. القصص تستمر وتتقوى. وهذا العمل الذي يستغرق وقتًا يخلق لنا نماذج جذابة، ويهذب رغباتنا.

رغم أنني قلتُ سابقًا أن القصص لا يمكنها “تحرير” نفسها من كون الله الأخلاقي كمخلوقات من خلق الله (البشر)، فإن القصص (والعوالم التي تقدمها) يمكنها بالتأكيد أن تعارض الإطار الأخلاقي الذي وضعه الله للعالم أو أن تنشر بدائل مغرية، مثلما يمكن لمخلوقات الله أن تتمرد عليه، وتقمع حقه بالإثم، وتبحث عن أي شيء آخر يرضيهم.

إذن، نعم، “توماس أوستن” مُحِق تمامًا: “مجرد أن شيئًا لم يحدث لا يعني أنه ليس حقيقيًا”. لكن انتبه أيها المشتري: “مجرد أن شيئًا لم يحدث لا يعني أنه حقيقي”. فكل تلك الأشياء الرائعة والمُؤثرة التي لم تحدث تميل إلى إقناعنا سواءً كانت صحيحة أخلاقيًا أو خاطئة. فقصة “ملكة الجنيات” لـ”إدموند سبنسر” هي دفاع مستمر عن القوة الأخلاقية الإيجابية والتكوينية اللاهوتية للقصص، لكن “سبنسر” يدرك تمامًا قوة تأثير القصص باعتبارها “تزويرًا بالرسومات”: فشخصية الشرير في الكتاب الأول كانت لمخترع قوي – “مبتكر” – يُدعى “أرشيماجو”، ويسعى لتدمير “ريدكروس”، فارس القداسة، بكل ما يستطيع استحضاره من خيال مقنع.

تمسّك بالخيال

قد نشعر ـ كآباء وأمهات ـ في أغلب الأحيان بثقل المسئولية عند تلبية احتياجات أطفالنا الأساسية. فإذا كان الأطفال ينجذبون إلى القصص، وإذا كانت هذه القصص تؤثر على أذهانهم، فإن المخاطر تزداد بشكل ملحوظ ونحن نجلب القصص لنغذي قلوبهم وعقولهم. كما ترتفع توقعاتنا، فنحن لا نهتم فقط بحيوية خيال أطفالنا الأخلاقي (ما هو الخير في العالم وكيف نُنظّم حياتنا لنحققه)، بل نهتم أيضًا بخيالهم الديني (الله هو الخيرٌ الأعظم الذي ينبغي أن نسعى إليه). فكيف لنا، كآباء وأمهات، حريصين على منح أطفالنا عطايا صالحة، أن نميز بين القصص السيئة والجيدة؟

أحد أسئلتي المُعتادة: “ماذا تريدني هذه القصة أن أريد؟” تُخاطب القصص طبيعتنا المُقلِدة كبشر خُلقوا على صورة الله من خلال تُقديمها لنا نماذج متنوعة، وغالبًا ما تكون هذه النماذج مؤثرة وسهلة الفهم. عندما تُقدم لنا الشخصيات الخيالية حواراتها الداخلية وأفكارها من خلال راوٍ عليم، فإن هذا يُتيح لنا فرصةً عميقةً لرؤية العالم من خلال عيونهم: “آن” في “غرين جابلز” وبحثها عن أصدقاء مخلصين، على سبيل المثال، أو “روبن هود” وأخلاقياته في السرقة من لصوص “نورمان” النبلاء.

هذه العلاقة الحميمة مع الشخصيات، بدورها، تثير السؤال التالي: “أي عالم تقدمه لي هذه الشخصية، وكيف تتفاعل القصة ككل مع رغبات أي شخصية؟” على سبيل المثال، يتمتع السيد “تود”، من شخصيات “كينيث جراهام”، بتقدير كبير لنفسه، لكن بقية مخلوقات الغابة (والراوي) يرفضونه، وعندما يعجزون عن إصلاحه، يوبخونه، وغالبًا ما يتم ذلك بدعابة تنتقده.

مع أطفالنا، يمكننا أن نأخذ قصة كاملة أو شخصيات واحدة تلو الأخرى لنقيّم أي الأفعال والدوافع والأحداث  كانت جيدة أو جميلة أو صحيحة أو نقية أو ممتازة أو جديرة بالإعجاب. تدربوا على اختيار أسماء مناسبة لردود أفعالهم تجاه مباديء العوالم الخيالية وحكاياتها. اعتاد والداي كل ليلة على الصلاة لأجلي ولأجل إخوتي كي يمنحنا الرب نعمة أن نبغض الشر ونلتصق بالخير (رومية ١٢: ٩)، ثم يعطونا عشرة آلاف صديق خيالي لنحبهم ونستكشف معهم معنى الالتصاق.

 

بقلم

“بتسي هوارد”

تم ترجمة المقال بالتعاون مع هيئة  Desiring God

يمكنك قراءة المقال باللغة الانجليزية من خلال الضغط على الرابط التالي:

https://www.desiringgod.org/articles/our-children-need-stories

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى