مقالات

لألمك تاريخ انتهاء

 

عندما أصرخ من أعماقي: “إلى متى يا رب؟” يكون ألمي قد تجاوز حدود صبري. أريد النجاة ـ الآن. اليوم. “إلى متى يا رب؟” بالنسبة لي تعني “يا رب، لقد طالت هذه المحنة أكثر مما ينبغي. أصلحها من فضلك وردني إليك على الفور”.

ربما شعرت بهذا الشعور أنت أيضًا.

ومع ذلك حتى حين يبدو لنا أن معاناتنا لا نهاية لها، يعلم الله بالضبط كم ستدوم. لها تاريخ انتهاء، يوم ووقت محددان مسبقًا من الله. لن يدوم ألمي إلى الأبد. فهو ليس عشوائيًا أو غير معروف سلفًا. لقد حدد الله كل تفاصيل هذه المحنة وسيعطيني كل ما أحتاجه لأتحملها.

ليس أكثر من اللازم

إدراكي لحقيقة أن كل آلامي لها نهاية محددة أسعدني ورفع من معنوياتي منذ عدة سنوات، عندما كانت حياتي في حالة اضطراب شديد. كانت مشاكلي تزداد ثقلاً كل يوم، والدموع تنهمر دون سابق إنذار. لم أكن أرى أي مخرج وتساءلت إلى متى سيستمر الألم ـ وهل سأستطيع الصمود حتى ذلك الحين؟

ثم ذات يوم سمعت متكلمًا على الراديو يقتبس عن “وارن ويرزبي” قوله: “عندما يُدخل الله شعبه في الأتون، يُبقي عيناه على الساعة ويده على منظم الحرارة فهو يعلم تمامًا المدة والشدة” (Bible Exposition Commentary, 3:51).

الله يعلم المدة والشدة. جلبت لي هذه الكلمات راحة لا توصف. كان يعلم شدة حرارة الأتون، وكان يعلم متى ستأتي الراحة والإغاثة. لن يكون الأتون أشد حرارة أو أطول زمنًا من اللازم.

كل دقيقة هي ملكه

نرى عبر صفحات الكتاب المقدس الله يحدد مسبقًا مدة معاناة شعبه. قبل أن يرزق “إبراهيم” بأولاد، أخبره الله أن نسله سيُستعبد في أرض غريبة “فَيُذِلُّونَهُمْ أَرْبَعَ مِئَةِ سَنَةٍ” (تكوين 13:15)، وبعد ذلك نعلم أن الله خلص بني “إسرائيل” بواسطة “موسى”. أخبر الله “إرميا” أن بني “إسرائيل” سيخدمون ملك “بابل” سبعين سنة (إرميا 11:25)، ثم أعيدت بقيتهم. قال الرب لكنيسة “سميرنا” إنه سيكون لها ضيق عشرة أيام لكن أوصاها ألا تخاف (رؤيا 10:2). في كل حالة، كانت الشدائد ضرورية وهادفة.

في كثير من الأحيان نفكر في الوقت بطريقة مختلفة، متأكدين من إذا كان الله وعدنا بأنه سيخلصنا فسيحدث هذا على الفور. ربما شعر بعض الأشخاص في الكتاب المقدس بهذا أيضًا: انتظر “إبراهيم” 25 سنة حتى يأتي “إسحق”، وانتظر “موسى” 40 سنة في البرية، و”داود” انتظر 15 سنة قبل أن يصبح ملكًا. نادرًا ما يتوافق جدول الله الزمني مع جدولنا الزمني.

ومع ذلك، حتى عندما يبدو خلاصنا بطيئًا يمكننا أن نكون على يقين من أنه لن يتأخر. فنجاتنا لن ولا يمكن أن تتأجل أو تتأخر لأن كل دقيقة من معاناتنا قد تحددت (حبقوق 3:2).

في ألم عن قصد

الإدراك بأن المحنة التي نمر بها هي لفترة محدودة، وأنها ضرورية، قد غير منظوري تمامًا أثناء ألمي. معرفتي أن هناك غرضًا، غرضًا المقصود به خيري (رومية 28:8) ساعدني على تحمل أقسى الأيام. سيكون إيماني أنقى وأقوى وأكثر صدقًا بعد اجتياز النار، وستنتقل هذه الفائدة إلى السماء مؤدية إلى حمد وتسبيح وكرامة ومجد (1 بطرس 6:1ـ7؛ 2 كورنثوس 17:4؛ رومية 18:8). لن يضيع ألمي هباءً.

كل التفاصيل يعرفها الله وهو قد عين مسبقًا مدة كل تجربة وكل بركة سأحصل عليها نتيجة لها. قال “تشارلز سبرجن”:

“في كل مرض، يقول الرب لأمواج الألم: “ستذهبين إلى هذا الحد، لكن لا تتعديه”. إن غرضه الدائم ليس هلاك شعبه بل تعليمه وتهذيبه.

الحد شامل بصورة مشجعة. لقد حدّ الإله القدير من وقت وطريقة وشدة وتكرار وآثار كل مرض من أمراضنا، كما قرر وحدد كل نبضة، وكل ساعة سهر، وكل انتكاسة، وكل كآبة روح، وكل نتيجة مقدسة. لا شيء صغير أو كبير يفلت من يد القدير الذي يحصي شعور رؤوسنا.

هذا الحد معدل بحكمة بما يتناسب مع قوتنا، والغرض منه، والنعمة المخصصة له… الحد محدد بكل رقة. إن سكين الجراح السماوي لا تجرح أو تشق أعمق مما هو لازم”(Morning and Evening/August 17)

في المسيح هناك حد وضعه الله لألمك. والألم نفسه مصمم لمنفعتنا، ليُعلمنا ويباركنا. رغم أنه من الصعب أن يبدو الألم في وقته بركة، إلا أن معرفتي بأن كل ذرة من ألمي قد حُددت مسبقًا ووزنت وضُبطت حسب مقدرتي، وعُينت بحنان، ساعدتني على تحمله. مع أنني لا أعرف، ولا يمكنني أن أعرف، كل الأسباب التي جعلت ألمي ضروريًا، إلا أنني أثق بأن كل محنة تعمل لخيري.

لا يزال هناك اليوم

على الرغم أننا نعلم أن النهاية محسومة، وكل صباح يقربنا يومًا من تلك النهاية، إلا أنه لا يزال هناك اليوم،  يلوح في الأفق بالألم والمعاناة. كيف نتجاوز اليوم؟

أولاً، علينا أن نتذكر أن الله سيثبت نفسه أفضل بكثير مما نخاف، سيفعل في هذه التجربة أكثر بكثير مما نتخيل. سيكون هناك بركات على طول الطريق ـ كل يوم، بدون استثناء ـ وسيمنحنا الله الراحة والعزاء وسيُظهر دلائل كثيرة على محبته. ما علينا سوى أن نبحث عنها.

ثم علينا أن نقرر أن نعيش يومًا بيوم أي نتوقف عن التفكير في الغد وما قد يجلبه من مشاكل، وأن نتوقف عن ترقب صراعات الغد، متسائلين كيف سندبر أمورنا. يكفي اليوم متاعبه. قد يجلب الغد نجاة مدهشة، أو قلبًا لألمنا وخسارتنا. قد لا يكون هناك داع لمخاوفنا وقلقنا، فقد يمنحنا الله خلاصًا عجيبًا.

حتى عندما يبدو خلاصنا بطيئًا يمكننا أن نكون على يقين من أنه لن يتأخر.

أو قد يحمل الغد معاناة أعمق، ومعها نعمة أعمق. قد يكون كلا الأمرين صحيحًا، إذ لا أحد منا يعرف ما سيأتي به الغد. ما نملكه هو اليوم. الله يعطينا نعمة لهذا اليوم. الله يلبي احتياجاتنا اليوم ويمنحنا قوة لهذا اليوم، وسيستمر في إعطائنا القوة التي نحتاجها، تمامًا كما وعدنا: “وَكَأَيَّامِكَ رَاحَتُكَ” (تثنية 25:33). لا شيء نتحمله يمكن أن يفوق نعمة الله أو يتجاوزها.

مطاردة النعمة

على كل حال فإن نعمته تحيط بنا حتى الآن، حتى وسط المحنة والألم. قال ذات مرة “فيليب ب باور”، قس عاش في القرن التاسع عشر توقفت خدمته العامة بسبب مرضه:

“لن يرسل الله تجربة بدون أن يقصد بركة من ورائها؛ لذلك حيث تشتد التجربة، يتوجب علينا أن نتأكد أن البركة المقصودة كبيرة أيضًا. أما إذا سُمح للتجربة بأن تطول إلى ما لا يُحتمل أن تثمر، فإنها ستصبح مجرد شر، وأذى بدون فائدة. لذا قل لنفسك” “تجربة اليوم لا يمكن الاستغناء عنها. لا يزال الله يحتفظ لي بالمزيد من البركات”.”  (A Book of Comfort for Those in Sickness/80)

ابحث عن البركة. ابحث عن يد الله. ابحث عن عزائه. كلها موجودة ومتاحة. لنكن على يقين أن حتى عندما نكون مقهورين من الألم ونصرخ طالبين الراحة، فإن الله يذخر لنا شيئًا رائعًا. لن يتركنا بائسين في أزماتنا. أبدًا. إنه يأتي بمراحم جديدة كل صباح (مراثي إرميا 22:3ـ23). قد لا نعرف ما سيحمل لنا اليوم، ولكننا نعرف أنه سيأتي بتعزيات الله وحضوره. لا يمكن إلا أن يكون كذلك.

لذا إذا شعرت بأنك مثقل بالألم وتصرخ لله: “إلى متى يا رب؟” تأكد أنه يعلم تمامًا المدة. لن يسمح لك بأن تتألم دقيقة واحدة أكثر مما ينبغي ولن يؤخر خلاصه لك أبدًا. الله ليس قاسيًا أبدًا.

واليوم، وسط ألمك، ستعطيك نعمة الله كل شيء أنت بحاجة إليه لتتحمله، بالإضافة إلى بركات ذات توقيت ممتاز يتناسب مع قدرتك على التحمل. قد لا تعرف متى سينتهي ألمك، لكن يمكنك أن تطمئن أن النهاية قد تم تحديدها، وستكون النتيجة دائمًا لخيرك.

 

بقلم

“فانيتا رندال ريزنر”

تم ترجمة المقال بالتعاون مع هيئة  Desiring God

يمكنك قراءة المقال باللغة الانجليزية من خلال الضغط على الرابط التالي:

https://www.desiringgod.org/articles/your-pain-has-an-end-date

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى