مقالات

قوة المرأة في نمو مستمر

 

في الأوقات (أو المواسم) التي أشعر فيها بالعجز أمام التحديات التي أواجهها، يكون الحل الذي أتوق إليه أكثر من أي شيء هو تغير الظروف. أريد أن يختفي ببساطة كل ما يبدو صعبًا. أريد حياة تتناسب مع قدراتي. أرغب في استراحة من العمل، إجازة، فرصة للبكاء، قسط من النوم.

لكن ما أرغب فيه بشدة ليس بالضرورة ما أحتاجه بشدة. قد أرغب في ظروف مختلفة بينما ما أحتاجه في الحقيقة قوة لمواجهة الظروف التي وُضعت فيها.

فضيلة  منسية

عندما تلوح المتاعب في الأفق، أو تغمرنا متطلبات الحياة اليومية، أتساءل عما إذا كانت النساء الأخريات ينسين أيضًا فضيلة القوة. تستحوذ ضعفاتنا على انتباهنا، ونتجاهل حقيقة أننا قادرات على أن نصبح أقوى. نريد أن نعرف أننا قد فعلنا وبذلنا ما يكفي من مجهود، لكننا نغفل أن نسأل إن كان الله يُعدنا لفعل المزيد. نرسم حدودًا ونتمسك بها، لكننا نتباطأ في توسيعها. نريد تغيير ظروفنا وننسى أن الله يعد بتغييرنا.

لا يطلب الله منا أبدًا في كلمته أن نتظاهر بالقوة حين لا نكون كذلك، لكنه في نفس الوقت لا يتركنا عاجزين بدون معونة، بل يواجه ضعفنا بوعده بقوته التي لا تُقهر ويخلق فينا قوة حقيقية (إشعياء 29:40؛ كولوسي 11:1؛ 1 بطرس 11:4). “قُوَّتِي فِي الضَّعْفِ تُكْمَلُ” هكذا يقول الرب لـ”بولس”، فاستطاع الآخير أن يقول بقلب صادق “فَحِينَئِذٍ أَنَا قَوِيٌّ” (2 كورنثوس9:12ـ10).

في الأيام (أو المواسم) التي نميل فيها إلى النسيان يقدم لنا أمثال 31 تذكيرًا خالدًا بجمال قوة المرأة:

“اِمْرَأَةٌ فَاضِلَةٌ مَنْ يَجِدُهَا؟ لأَنَّ ثَمَنَهَا يَفُوقُ اللآلِئَ…

          تُنَطِّقُ حَقَوَيْهَا بِالْقُوَّةِ وَتُشَدِّدُ ذِرَاعَيْهَا…

          اَلْعِزُّ وَالْبَهَاءُ لِبَاسُهَا، وَتَضْحَكُ عَلَى الزَّمَنِ الآتِي” (أمثال 10:31 و17 و25)

توصف هذه المرأة الرائعة بأنها “فاضلة”، وقد ترجمت في نسخ أخرى إلى “ممتازة” أو “نبيلة الخلق” أو “قوية”. وفي مواضع أخرى، تستخدم الكلمة العبرية chayil لوصف شجاعة المحارب (يشوع 3:8)، وقوة الجيش (1 صموئيل 20:17)، وقدرة الرجل الجبار، ذلك النوع من الرجال الذي يرغب أي ملك في وجوده بين أتباعه المخلصين (1 صموئيل 52:14). لكن في أمثال 31، النموذج المقدم لنا ليس لملك أو لمحارب بل لامرأة ـ وامرأة قوية. كلمة “فاضلة” تجمع بين الفضيلة والشجاعة معًا، وبين قوة الشخصية والقدرة البدنية.

إنتاجيتها المذهلة تقدم نظرة شاملة على حياتها بأكملها، لا مجرد قائمة مهامها اليومية. لكن هناك سمة واحدة مميزة تبرز كخيط يربط كل شيء معًا: كفاءتها. بإمكانها إنجاز الأمور والابتسامة مرتسمة على وجهها. بطرق مختلفة، وفي مختلف الأوقات: “تصنع”، و”تطلب”، و”تشتغل”، و”تجلب”، و”تقوم”، و”تعطي”، و”تتأمل”، و”تنطق”، و”تشدد”، “تمد”، و”تمسك”، و”تبسط”، و”تعمل”، و”تضحك”. الشيء الوحيد الذي لا تعمله هو “لا تَأكُلُ خُبْزَ الْكَسَلِ” (عدد 27).

كنساء عصرنا هذا، قد نشعر بفتور غريب تجاه هذه الصورة القديمة للفضيلة الخائفة الله. نقابل إنجازاتها في بعض الأحيان بمزيج من الشعور بالذنب والغيرة وعدم التصديق. إنها تبالغ قليلاً، أليس كذلك؟ نريد أن نصدق أنها ليست حقيقية لأنها تشعرنا بالنقص وتبرز نقاط ضعفنا. عندما يبدو مستواها صعب الوصول إليه، فإن الشيء المنطقي الوحيد الذي يمكن عمله هو التوقف عن السعي إليه، أليس كذلك؟ فعلى كل حال من يستطيع أن يكون بهذه الانتاجية؟ وبهذه الكفاءة؟ وبهذه القوة؟

التميز المثالي والحقيقي

ربما ولا واحدة تبلغه، على الأقل ليس دفعة واحدة. لكن بالاستجابة إلى نداء الحكمة، والتحلي بالصبر، مع مرورالزمن، ربما أي امرأة، بمعونة الله. رغم أن هذه المرأة مثالية، إلا أنها تُقدم على أنها شخصية حقيقية. يؤمن الكتاب المقدس بأن نساء أخريات يمكنهن بلوغ هذا التميز. “راعوث” على سبيل المثال. يقول لها “بوعز”: “لأَنَّ جَمِيعَ أَبْوَابِ شَعْبِي تَعْلَمُ أَنَّكِ امْرَأَةٌ فَاضِلَةٌ chayil” (راعوث 11:3). وإذا وسعنا الدائرة، يؤكد أمثال 29:31 “بَنَاتٌ كَثِيرَاتٌ عَمِلْنَ فَضْلًا chayil“. ربما لا يكون السؤال هو “هل يمكن لأحد أن يكون هكذا؟” بل “هل نسيتُ نوع المرأة التي يمكنني أن أكونها، بعون الله؟”

لنتذكر المزايا العديدة للمرأة الفاضلة.

تتمتع بكفاءة عالية. فنشاطها ومهاراتها واضحان للعيان. “بيدين راضيتين” وذراعين متشددين (عدد 13 و17) تعمل بكل جهد وتنجز مهامها. بيتها المنظم على أكمل وجه يمتلىء بأشخاص سعيدة (عدد 27 و28). تتميز بمرونة شديدة وتنقل جهدها بكل سلاسة من مهمة إلى مهمة. يبدو أنها تستمتع بكل ما تفعل، وكل ما تقوم به يعود بالبركة على الآخرين.

تتميز بقدرتها على التحمل. تستطيع الاستيقاظ مبكراً أو السهر لوقت متأخر (عدد 15 و18) لتستجيب لمطالب الأيام أوالأسابيع أوالشهور أو حتى السنوات الصعبة. تستمر في فعل الخير، مستخدمة قوتها ومضاعفة جهودها من أجل منفعة الآخرين (عدد 12 و17). لا تكتفي بما هو “جيد” بل تبحث عن طرق جديدة لتحقق نتائج أفضل (عدد 16 ـ 18).

هي امرأة جديرة بالثقة. بها يثق قلب زوجها، وهي أهل لتلك الثقة (عدد 11). ملتزمة في أداء مسؤولياتها وأمينة في وعودها. يتكل الفقير والمحتاج على كرم عطائها، مستعدة دائمًا لمواجهة عواصف الحياة (عدد 20 ـ 21).

تتمتع بقوة عاطفية. تقلبات المستقبل المجهولة تثير ضحكها لا قلقها. من المؤكد أن تغيرات هذا العالم الفاني وتحولاته ستأتي إلا أن قوتها كافية لمواجهة هذه التحديات (عدد 25). وهي ليست فقط مستعدة للعواصف، بل لا تخاف منها (عدد 21). لا تظهر عليها علامات الشفقة على الذات أو الأنانية بل تتحلى بفرح دائم لا يتأثر بالظروف.

والأهم من ذلك كله، أنها تتمتع بقوة روحية. فهي “المرأة المتقية الرب” الجديرة بالمدح (عدد 30). يفيض قلبها الخائف الله بكلمات ترضي الله: تتكلم بحكمة وتنشر رحمة وإحسان (عدد 26). مخافة الرب التي هي “بَدْءُ الْحِكْمَةِ” (أمثال 10:9) هي أساس ومصدر قوتها. الإله الذي تنتمي إليه يستحق ثقتها الكاملة وكل حياتها تستند على رعايته ومحبته وسلطانه. من أبيها الأمين تأتي الحياة والنفس، والحكمة والعمل، والخسارة والربح، والألم والقوة، وهي تُقدمها له بقلب راضٍ، يومًا بعد يوم.

أليست هذه مميزات رائعة؟ ألا تريدين أن تكوني حكيمة ومستعدة، ذات كفاءات عديدة وممدوحة من الجميع كهذه المرأة؟ بدلاً من التوق إلى ظروف أسهل، ألا تتمنين الضحك على الزمن الآتي؟ أنا شخصيًا أتوق لذلك.

دعي القوة تنمو

إن المرأة المذكورة في أمثال 31 لا تهدف إلى تنفيرنا، بل إلى تحفيزنا وتشجيعنا. إنها تدعونا إلى الانضمام إليها بين صفوف النساء الفاضلات، فتزيد قوتنا يومًا بعد يوم، ومهمة تلو الأخرى، وتجربة بعد الأخرى. إنها تحرضنا على أن نساء قويات “في الرب وفي شدة قوته” (أفسس 10:6)، يطلبن الرب وقوته (مزمور 4:105)، ومُتَأَصِّلُونَ وَمُتَأَسِّسُونَ فِي الْمَحَبَّةِ، حَتَّى تَسْتَطِيعُوا أَنْ تُدْرِكُوا مَعَ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ، مَا هُوَ الْعَرْضُ وَالطُّولُ وَالْعُمْقُ وَالْعُلْوُ وَتَعْرِفُوا مَحَبَّةَ الْمَسِيحِ” (أفسس 18:3).

لا تتحقق هذه القوة بين ليلة وضحاها بل هي شيء ينمو ويتطور. النمو في القوة لا يعني التفوق على أقوى شخص نعرفه بل يعني أن نتفوق على أنفسنا، خطوة بخطوة في بعض الأحيان. يمكننا اليوم بمعونة الرب أن نكون أقوى مما كنا عليه بالأمس. رغم أننا “نتقدم ببطء إلى الأمام، نتعثر أحيانًا، أو نعرج، أوحتى نزحف على الأرض” إلا أن “جون كالفين” يؤكد لنا: “لا أحد يتقدم بشكل ميئوس منه بحيث يمنعه من إحراز على الأقل تقدم بسيط كل يوم… حين يكون اليوم أفضل من الأمس نجد أن جهدنا لم يذهب هباءً” (Institutes 3.6.5)

النمو في القوة المستمدة من الله قد لا يغير ظروفنا، بل سيغير قلوبنا وأعمالنا، وتصرفاتنا وسلوكنا، وزواجنا، وبيوتنا، وعلاقاتنا، ومجتمعاتنا. فلنكن نساءً متقيات الرب ولنتذكر هذه الفضيلة المنسية ونحن ذاهبات “من قوة إلى قوة” (مزمور 7:84).

 

 

بقلم

“آندريا هوجلاند”

تم ترجمة المقال بالتعاون مع هيئة      Desiring God

يمكنك قراءة المقال باللغة الإنجليزية من خلال الضغط على الرابط التالي:

https://www.desiringgod.org/articles/a-womans-strength-can-grow

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى