مقالات

لا تتركوا مكانكم وتلمذوا الآخرين نداء إلى القديسين المتقدمين في السن

هذه مناشدة للمؤمنين المتقدمين في الأيام ألا يتبعوا الملايين من أقرانهم في ارتكاب خطأ جسيم: ترك مكانهم، خاصة الكنيسة المحلية، حيث بنوا على مدى سنوات، إن لم يكن عقودًا، علاقات قوية وثقة متبادلة.

نحن الآن تقريبًا في منتصف المرحلة الانتقالية نحو التقاعد لذلك الجيل الضخم The Boomers المولود بين 1946 و1964. بلغ أوائل هذا الجيل سن السبعين في 2016، وآخرهم  سيبلغ السبعين في 2034. وهكذا نجد أنفسنا اليوم عند منتصف فترة التقاعد لأكثر من سبعين مليون أمريكي أي ما يقارب 20% من سكان الولايات المتحدة الأمريكية0

سأمتنع عن التعليق عن الجوانب الاجتماعية والاقتصادية. لكنني أريد أن أطرح نقطة معينة وأجذب إليها انتباه ذلك الجيل الذي يزعم أنه يحب “الرب يسوع”.

رجل “فلوريدا”

في وقت سابق من هذه السنة، لفت انتباهي مقال عنوانه “انسحاب الناجحين”. ركز الكاتب “جاستن باول” على اختفاء الأعمال التجارية المحلية والرجال (المتقاعدين أو المنسحبين) الذين أسسوها في يوم من الأيام. إنه ليس ضد ولاية “فلوريدا”، لكن يأسف على الاتجاه المتزايد نحو التراجع والانسحاب:

“لقد أصبح مجلس نواب “فلوريدا” رمزًا. الأمر لا يتعلق بالتقاعد فحسب بل بالانسحاب. بالأشخاص الذين كانوا يحملون يومًا عبء مكان ما ثم قرروا أنه قد طفح الكيل بهم ـ واختفوا في الوقت الذي كانت الحاجة إليهم أشد ما تكون. . . لأكون واضحًا، أنا لا ألوم “فلوريدا”. الراحة مطلوبة. والطقس الدافىء رائع. وبعد قضاء عشرات السنوات في بناء شيء ما، فإن الاستمتاع بثمار عملك ليس أمرًا خاطئًا.

لكن المشكلة ليست في الموقع الجغرافي، بل في انقطاع التواصل. إنها طريقة تفكير تقول: لقد انتهيت. دع غيري يتحمل العبء. إنه القرار باقتلاع الجذور بدلاً من غرسها بشكل أعمق.

ما نخسره ليست الانتاجية ـ بل التواجد. لا يمكنك تعويض 40 سنة من الثقة والترابط المجتمعي”.

يصف “باول” هذا الانسحاب بـ”الخروج الهادىء” الذي يعمل على “تفريغ المدن المريكية ـ ليس فقط اقتصاديًا، بل اجتماعيًا ومؤسسيًا وحتى روحيًا” (التأكيد مني). قد يحزن البعض على الجانب الاقتصادي؛ لكن أكثر ما يقلقني هو الخسارة الروحية والعلائقية التي تتكبدها الكنائس المحلية:

“تفقد الكنائس والهيئات غير الربحية والمؤسسات المدنية شخصًا كان يقول “نعم” بدون انتظار أي تقدير. ويفقد الجيل التالي مرشدًا. والعائلات ـ خاصة الكبيرة ـ تفقد وجودًا راسخًا لم تكن تدرك حتى أنها تعتمد عليه”.

حضور راسخ

يعجبني كثيرًا “تعبير” حضور راسخ. بصفتي راعيًا، أحترم بشدة الحضور الراسخ للشيوخ القديسين ـ رجالاً ونساءً ـ في أي اجتماع محلي. فهذا أمر لا يمكن إستنساخه في وقت قصير. الجذور العميقة تستغرق عقودًا من الزمن.

يتضاعف التأثير الإلهي عندما تنخرط بعمق في مكان ما وتثبت قدرتك على الثبات والصمود. لو ذهبت إلى مكان آخر، سيتعين عليك أن تبدأ من جديد. لكن إذا بقيت في مكانك، ستبدأ في جني ثمار ما زرعته على مدى عشرات السنوات من الأمانة والإخلاص.

جزء من تقبل محدوديتك والملامح الثابتة التي رسمها الله للحياة البشرية هو إدراك أنك لا تستطيع أن تصنع بنفسك ـ في وقت قصير ـ  حضورًا راسخًا أمينًا وجديرًا بالثقة. إذا كانت العقود بمثابة رقائق، فلديك، على الأكثر، ثمانية أو تسعة عقود لتنفقها. وأنت لا تختار كيف تُنفق أول اثنين منها. في العالم المعاصر نتمتع ببعض الحريات في كيفية إنفاق رقائقنا الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة. بحلول الوقت الذي تبلغ فيه السبعين، تكون قد أنفقت معظم رقائقك. لكن لا يوجد عائد أفضل على آخر رقاقتين من أن تضاعف التزامك بالمكان الذي كرّست له بقية حياتك.

ليست فقط المجتمعات والكنائس المتروكة هي التي تتحمل الخسائر. يلاحظ “باول” ما يلي:

“حتى المتقاعدون أنفسهم لا ينتفعون كما يتصورون. قد تزدحم جداول مواعيدهم.، لكنهم غالبًا ما يشعرون بعدم الانتماء. بالانفصال عن الآخرين. لا يمكنك إعادة خلق صداقة عميقة دامت 30 عامًا وأنت في السبعين من عمرك تتجول حول منزلك الصيفي الفارغ. وعندما تغيب تلك الوجود المألوفة، يتسلل نوع من الوحدة الروحية”.

لأكون واضحًا، قد تقضي سنواتك الذهبية في إرسالية جريئة خارج البلاد مثل “ريموند لول”. لكن الاحتمال الأكبر ستكون تلك الإرسالية أكثر فاعلية ـ وإن كانت أقل إثارة ـ إن ظللت ثابتًا في مكانك وحصدت ثمار عقود من الحضور والأمانة.

كان الله يهيئك لهذه السنوات الذهبية على مدى عشرات السنين. إنها حقًا سنوات ذهبية. لم تكن لديك من قبل كل هذه الخبرة الحياتية. إذا كنت مخلصًا وأمينًا وسرت بالروح، فلم يسبق لك أن تتمتع بكل هذه الحكمة. لقد عشت ما يكفي لتقدر طاقة وحيوية الشباب، ورأيت الدور المحوري للصبر الذي يهبه الله في تهذيب هذا الحماس. كم يحتاج شبابنا إلى آرائك وإرشادك ومشورتك!

جاهد وأكمل واحفظ

أنا لست ضد الأجازات. إنما أطلب منك ألا تختفي من أكثر مكان يكون

بحاجة إليك ومن المكان الذي كان الله يعدك له لتزدهر وتتألق فيه.

 

في 2008 أطلق “جون بايبر” جرس إنذار مبكرًا لأكبر أفراد الـBoomers سنًا (مواليد ما بين 1946 و1964)، الذين بلغوا الستينيات من عمرهم ويقتربون من التقاعد. كتب في كتابه Rethinking Retirement “إن أغلب الاقتراحات التي يقدمها لنا هذا العالم لسنوات التقاعد هي أفكار سيئة” (5). إنهاء الحياة بصورة جيدة، كمسيحي مؤمن، سيعني “إنفصالاً جذريًا عن الطريقة التي يفكر بها أقراننا غير المؤمنين. إنفصال عن الحلم التقليدي للتقاعد” (24). والانسحاب.

والآن، بعد مرور نحو سبعة عشر عامًا، وقد “تقاعد” نصف الجيل واقترب النصف الآخر من تلك الخطوة يجدر بنا أن نردد مرة أخرى الصلاة الواردة في مزمور 17:71ـ18

 “اَلَّلهُمَّ، قَدْ عَلَّمْتَنِي مُنْذُ صِبَايَ، وَإِلَى الآنَ أُخْبِرُ بِعَجَائِبِكَ.

وَأَيْضًا إِلَى الشَّيْخُوخَةِ وَالشَّيْبِ يَا اَللهُ لَا تَتْرُكْنِي، حَتَّى أُخْبِرَ بِذِرَاعِكَ الْجِيلَ الْمُقْبِلَ، وَبِقُوَّتِكَ كُلَّ آتٍ”

 

هذه صلاة الختام الحسن. وهذا التضرع للسعي قدمًا، بمعونة الله، حتى النهاية، يتدفق بشكل طبيعي إلى أفرع خاتمة “بولس” الرائعة: “جَاهَدتُ الْجِهَادَ الْحَسَنَ، أَكْمَلتُ الْسَعِي، حَفِظْتُ الإيِمَانَ” (2 تيموثاوس 7:4).

جاهدت الجهاد الحسن

“جَاهَدُت الْجِهَادَ الْحَسَنَ” صوة مستوحاة من عالم المصارعة. أنت في حلبة الحياة مع خصم، سواء أدركت هذا أم لا. وهو يحاول إسقاطك بالضربة القاضية. يوجه لك بعض الضربات القوية في الجولات الأولى من حياتك، ويصبح أكثر مكرًا كلما تقدمت في العمر، لكن لا يستسلم أبدًا.

ربما تعتقد أنه فقد طاقته أو توقف عن توجيه اللكمات لك. إذا صح هذا، تكون وقعت ضحية حيلة خادعة. فهو يحب أن يوجه لك ضربة قاضية في الجولة الأخيرة، خاصة عندما تكون على وشك ربح آخر رقاقة أو رقاقتين.

المنافسة حقيقية لكن لا تظن أن النتيجة تتوقف عليك بشكل قاطع مع طاقتك التي تُستنزف. الجهاد الحسن، كما يقول “بايبر”، “ليس في المقام الأول معركة عليك القيام بها بل هو معركة تفرح بها”. ليكن تركيزك الأول والأساسي في هذه السنوات هو:

“إذا كنا سنجعل المسيح يبدو مجيدًا في السنوات الأخيرة من حياتنا، فلا بد أن نكتفي به. يجب أن يكون هو كنزنا. والحياة التي نعيشها يجب أن تنبع من هذا المسيح الذي يسدد كل الاحتياجات. والحياة التي تنبع من النفس التي تعيش على “يسوع” هي حياة محبة وخدمة. هذا ما سيجعل المسيح يبدو رائعًا” (19)

أكملت السعي

“أكملت السعي” صورة مستوحاة من سباق الجري، ونحن لا نجري وحدنا. “يوحنا المعمدان” عبر خط النهاية (أعمال 25:13). وكذلك “بولس” (أعمال 24:20). والأفضل من كل هذا، أنهى “الرب يسوع” سعيه ليس بفضل قوة عزيمته بل لأجل السرور الموضوع أمامه (لوقا 32:13؛ عبرانيين 2:12).

المتقاعدون الجدد أو الذين على وشك التقاعد ـ عندما يسمعون الدعوة إلى اختتام حياتهم كمؤمنين ـ لا يمكنهم أن ينتهجوا نهج أقران متقاعدين “لا يؤمنون أن هناك سماء بعد القبر”. يكتب “بايبر” ويقول:

“إن التفكير السائد بين أقراننا هو أننا يجب أن نكافىء أنفسنا الآن في هذه الحياة على سنوات عملنا الطويلة. الراحة الأبدية والفرح الأبدي بعد الموت أمران لا أهمية لهما. عندما لا تؤمن بالسماء الآتية ولا تكتفي بمجد المسيح الآن ستسعى إلى ذلك النوع من التقاعد الذي يسعى إليه العالم. لكن يا لها من مكافأة غريبة أن يطمح إليها المؤمن! عشرون سنة من الترفه (!) بينما نعيش الأيام الأخيرة ذات العواقب اللا متناهية لملايين الناس الذين يحتاجون إلى المسيح. يا لها من طريقة مؤسفة لإنهاء الميل الأخير قبل دخول محضر الملك الذي أكمل ميله الأخير بطريقة مختلفة تمامًا!” (27)

قد يعتقد العالم أنك تجاوزت أفضل سنواتك، لكن الرب لا يفكر هكذا. فلا تيأس ولا تستسلم عندما يكون خط النهاية على مقربة منك.

حفطت الإيمان

وأخيرًا يستطيع الرسول الشيخ المتقدم في الأيام أن يقول إنه حفظ الإيمان. لا يقتصر حفظ الإيمان على الإيمان الشخصي فقط. في نفس هذه الرسالة الأخيرة، يحرض “بولس” تلميذه “تيموثاوس”، الذي علمه الكثير، على تعليم الآخرين:

“وَمَا سَمِعْتَهُ مِنِي بِشُهُودٍ كَثِيرِينَ، أَوْدِعْهُ أُنَاسًا أُمَنَاءَ، يَكُونُونَ أَكْفَاءً أَنْ يُعَلِمُوا آخَرِينَ أيْضًا” (2 تيموثاوس 2:2)

كنت تُجَمِع ـ على مدى عشرات السنوات ـ الحكمة والخبرة والصبر والرؤية الثاقبة. أما الآن بعد مسيرة مهنية طويلة، أصبحت أخيرًا حرًا لمشاركة هذه الكنوز مع الآخرين. هناك شباب وشابات في بداية حياتهم المهنية، آباء وأمهات جدد يشعرون بعدم الثقة في قدراتهم التربوية، ومراهقون متشوقون للبلوغ ولكنهم غير متأكدين كيف يفعلون هذا ـ الجميع في أمس الحاجة إلى وجودك الراسخ بينهم. الآن هو الوقت المناسب، في هذه السنوات الذهبية الأخيرة، لتجعل وصية “بولس” وصيتك أنت:

“فَلَا نَفْشَلْ فِي عَمَلِ الْخَيْرِ لأَنَّنَا سَنَحْصُدُ فِي وَقْتِهِ إِنْ كُنَّا لَا نَكِلُّ. فَإِذًا حَسْبَمَا لَنَا فُرْصَةٌ فَلْنَعْمَلِ الْخَيْرَ لِلْجَمِيعِ، وَلَا سِيَّمَا لأَهْلِ الإِيمَانِ” (غلاطية 9:6ـ10)

لذا أتوسل إليك، أيها القديس، أن تظل في مكانك وتتلمذ الآخرين، لأجل خير أسرتك ومجتمعك، وبالأخص لأجل خير كنيستك.

 

بقلم

“ديفيد ماتيس”

تم ترجمة المقال بالتعاون مع  هيئة   Desiring God

يمكنك قراءة المقال باللغة الانجليزية من خلال الضغط على الرابط التالي:

https://www.desiringgod.org/articles/stay-put-and-make-disciples

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى