أصعب أيامك تشهد عن نعمة حنونة

يُقال إن الإدراك المتأخر للأمور يكون غاية في الوضوح. ربما. لكن من المؤكد أن رؤية الصورة كاملة تكون أسهل عندما لا تكون محصورًا في التفاصيل. لكن هل تكون واضحة تمامًا؟ إن توقع مثل هذا الوضوح عند النظر إلى الوراء هو على الأرجح توقع مبالغ فيه.
مع ذلك، ورغم أن رؤيتنا قد تكون غير متكاملة، إلا أننا عندما ننظر إلى ماضينا نستطيع أن نتبين بعض ملامح حياتنا. وقد نتمكن من إدراك تأثير صديق ما أو عواقب قرار بدا بسيطاً وقتها.
الإيمان يُحسِن رؤيتنا. فعندما ننظر إلى ماضينا من خلال عدسة السيادة الإلهية التي توضح كل شيء نتبين يد الله المرشدة الرقيقة، حتى في أحلك الظروف التي مررنا بها. مع أن عيني “يعقوب” كانتا “قد ثقلتا من الشيخوخة” إلا أن بصيرته كانت واضحة حين نظر إلى الوراء وتأمل السنين الطويلة التي أعطاها الله له (تكوين 10:48). وإذ انحنى ليبارك حفيديه تذكر عناية إلهه الحانية التي رافقته خلال تلك السنوات.
عندما ننظر إلى الوراء مع “يعقوب”، إلى صورة حياته التي أوشكت على الاكتمال، نتعلم ما يعنيه أن ننظر إلى مشاكلنا بعيون الإيمان اللامعة.
“أيام سني حياتي”
لم ينعم “يعقوب” بحياة مثالية. لا تُعد حياته المضطربة، التي تشغل أحد أطول أقسام سفر التكوين (أصحاحات 25 ـ 35؛ 37؛ 42 ـ 49)، قصة ممتعة للقراءة. بدأ صراع استمر عقودًا (حرفيًا) وهو لا يزال في رحم أمه. وُلد وهو قابض بعَقب “عيسو”، فسُمي “يعقوب” أي المخادع وهو لقب ظل يلازمه معظم حياته (تكوين 22:25ـ26). كان في تنافس مستمر مع “عيسو” أخيه، واكتسب البكورية والبركة اللتين لم تكونا من حقه (29:25ـ33؛ 27:27ـ29)، مما دفعه إلى الهروب خوفًا من بطش أخيه (41:27ـ45).
لم تصبح الحياة أسهل بعيدًا عن بيته أو وطنه. عانى “يعقوب” من أساليب “لابان” الملتوية، وتزوج بزوجتين كثيرتي الخصام (وجاريتين) وشعر أنه مضطر إلى خداع خاله للحصول على أجر عادل. أوقعه أبناؤه في متاعب كثيرة وجعلوه مكروهًا في أعين الكنعانيين حيث كان يعيش (30:34)، ونام أحدهم مع جاريته (22:35)، وباعوا ابنه المفضل عبدًا (28:37). علاوة على هذا، ضُرب على حُق فخذه وصار يعرج (31:32)، عاش أطول من زوجتيه (19:35؛ 31:49)، وفي شيخوخته أصبح لاجئًا في مصر بسبب مجاعة شديدة (9:45ـ11).
قد يتوقع أحدنا أن “يعقوب” سينظر إلى سنواته المائة والثلاثين بحسرة ومرارة مبديًا غضبه تجاه الله ومنهيًا حياته مثل السيد “بوتر” (عجوزًا مشوهًا ومحبطًا). اعترف “يعقوب” بالطبع أنه شهد حياة قاسية “قَلِيلَةً وَرَدِيَّةً كَانَتْ أَيَّامُ سِنِي حَيَاتِي” (9:47). ولا شك أنه قضى أغلبها في حزن عميق (35:37). لكن عندما التفت ليبارك حفيديه ماذا قال؟
“اللهُ الَّذِي سَارَ أَمَامَهُ أَبَوَايَ إِبْرَاهِيمُ وَإِسْحَاقُ، اللهُ الَّذِي رَعَانِي مُنْذُ وُجُودِي إِلَى هَذَا الْيَوْمِ، الْمَلاَكُ الَّذِي خَلَّصَنِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ، يُبَارِكُ الْغُلاَمَيْنِ” (تكوين 15:48ـ16)
“الله الذي رعاني”. يعترف “يعقوب قائلاً: “لقد كان وادي الظلام والدموع طويلاً ومتعرجاً وعسرًا. اتخذت قرارات خاطئة كثيرة وكانت لها عواقب مؤلمة وطويلة الأثر. كما تكبدت خسائر جسيمة. لم أدرك الطرق التي قادني بها. ومع ذلك ظل الله يرعاني وأنقذني من كل شر.
لا شيء يتم تجاوزه أو التغاضي عنه. لقد كانت الأيام ردية بالفعل. ومع هذا فإن كل ماضيه يقع تحت سلطان الله الفادي الذي يعيد الذاهبين بالبكاء بهتاف أفراح (مزمور 6:126).
هذا هو إله آبائي.
الرؤية في الظلام
في أي مرحلة من مراحل حياتنا، عندما نفكر في أحداث ماضية، سواء كانت بعيدة أو قريبة، قد نقول ما قاله “يعقوب”: “قَلِيلَةً وَرَدِيَّةً كَانَتْ أَيَّامُ سِنِي حَيَاتِي”. التحديق في الوديان العميقة يؤدي إلى ضعف الرؤية. كثيرًا ما تقودنا الصدمات المتكررة إلى خفض أنظارنا إلى الأرض، فلا نرى أبعد من أقدامنا. وعندما نحصر أنفسنا داخل مجال رؤية ضيق الأفق لا نرى الراعي ويتزعزع إيماننا. كيف نتعلم أن نرى، بالإيمان، في الظلام؟ تقدم لنا صلاة “يعقوب” ثلاثة اتجاهات للنظر: إلى الوراء، وإلى فوق، وإلى الأمام.
النظر إلى الوراء
نظر “يعقوب” إلى الوراء، إلى أبويه. وأدرك أنهما سارا أمام الله وآمن أن الله سار معهما في أرض غربتهما. شهد “يعقوب” أمانة الله في حياتهما، وبإيمانٍ متحلي بالصبر والتأني اختبر نفس الأمانة في حياته.
إن رؤية الظروف الصعبة بعيون الإيمان كثيرًا ما تتطلب أن نسترجع أمانة الله في الماضي. تذكر كيف جذبك إليه بالإيمان المُخلص. تذكر معونة سابقة وقت الحاجة أو تعزية وقت الشك. تكلم مع قديسين أكبر منك سنًا عن أمانة الله على مر السنين الطويلة، أو اقرأ سير من سبقوك.
من سار بك وبالملايين غيرك وسط الضيق والألم لا يتغير. حين نسترجع تاريخ حياتنا القصير والمضطرب، وحياة إخوتنا وأخواتنا في الإيمان نتذكر أمانة الله وثباته مما يدعونا إلى تجديد إيماننا.
النظر إلى فوق
نظر “يعقوب” إلى فوق، إلى راعيه الصالح. من وجهة نظره، لم تكن الكلمة الأخيرة لرداءة أيامه إذ كان الله هو مخلصه. ربما لم يكن قادرًا على رؤية الصورة كاملة لكنه كان يعرف أن الله يراها وأنه ليس مسؤولاً عن ترتيب جميع تفاصيل حياته بنفسه.
نشعر بحاجة ماسة إلى التشبث بأي شيء كي يعيد لنا توازننا عندما ينفلت زمام الأمور من أيدينا. فنندفع إلى التعلق بما يبدو ركائز ثابتة لنكتشف في النهاية أنها تنهار تحت وطأة الضغط. تخوننا قوتنا على الاحتمال. وتفشل علاقة كنا نستند عليها. ويتلاشى الأمان المبني على خطط وترتيبات كنا نعدها للمستقبل.
ينبغي ألا نركز أنظارنا على أقدامنا ونحن نخوض سباق الحياة. لنتعلم مع “يعقوب” أن ننظر إلى من يستطيع أن يخلصنا وسيخلصنا بالفعل “من كل شر” أي ننظر إلى “الرب يسوع” الجالس “فِي يَمِينِ عَرْشِ اللهِ” (عبرانيين 2:12).
النظر إلى الأمام
تطلع “يعقوب” نحو نعمة الله في المستقبل. “يُبَارِكُ الْغُلاَمَيْنِ. وَلْيُدْعَ عَلَيْهِمَا اسْمِي وَاسْمُ أَبَوَيَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ، وَلْيَكْثُرَا كَثِيرًا فِي الأَرْضِ” (تكوين 16:48). لم يكن “إبراهيم” و”إسحق” و”يعقوب” سيرون تحقيق العهد العظيم الذي أُعطي لأول مرة في تكوين 12. بل كانوا سينضمون إلى صفوف أولئك الذين من بعيد نظروها وحيوها (عبرانيين 13:11). ومع ذلك، لم تكن الأيام الردية لها الكلمة الأخيرة في حياتهم. الإيمان يعني الثقة بأن تحقيق المواعيد المنشود لم يأت بعد.
لذا نتعلم نحن أيضًا أن ننظر إلى الأمام مقرين بأننا غرباء ونزلاء على الأرض. إن كمال بركة الله، التي وعد بها والتي نتوق إليها لن تُعرف في الزمان الحاضر بل في الدهر الآتي. لقد نلنا نصيبًا (ميراثًا)، نعم؛ لكننا لم نمتلكه بعد (أفسس 11:1 و14). إن متاعب رحلتنا، سواء كانت قصيرة أو طويلة، لا تقارن بجبل المجد الذي سيكون لنا. كان “يعقوب” يستطيع أن يعد أبناءه وأحفاده، لكنه لم يستطع أن يعد النجوم. حين تشتد ظلمة الأيام، وحين تصيبنا المحن تتطلع عيون الإيمان إلى الأمام وكلها رجاء ـ ليس في راحة فورية بل إلى ذلك اليوم الذي يهرب فيه الحزن والتنهد ويُخلق الكل من جديد.
قد يقول المؤمنون مع “يعقوب”: “قَلِيلَةً وَرَدِيَّةً كَانَتْ أَيَّامُ سِنِي حَيَاتِي”. لكن لنتعلم منه أيضًا أن نثبت أنظارنا بالإيمان على ذاك الأزلي ، فنسلك في دروبنا المظلمة بعيون لامعة.
بقلم
“سيث بورش”
يمكنك قراءة المقال باللغة الإنجليزية من خلال الضغط على الرابط التالي:
https://www.desiringgod.org/articles/your-darkest-days-tell-a-story-of-tender-grace



