الأنين إلى الوطن منتظرين في رجاء كأولاد الله

أحب الأصحاح الثامن من الرسالة إلى رومية. إذا كنت مؤمنًا فأتصور أنك تحبه أيضًا. ما يصفه “بولس” بصورة جميلة يبعث فينا رجاءً ندركه جيدًا، رجاء يتردد صداه في أعماق نفوسنا ويثير فينا الشوق والحنين إلى وطننا البعيد، وطننا السماوي. في رومية 8 نجد لمحات عن “الْمَجْدِ الْعَتِيدِ أَنْ يُسْتَعْلَنَ فِينَا” (رومية 18:8). أنا متأكد أن هذا أحد الأسباب التي جعلت “جون بايبر” يقول:
“أعتقد أن الرسالة إلى رومية هي أعظم سفر في الكتاب المقدس. أعتقد أن رومية 8 هو أعظم أصحاح في أعظم سفر في الكتاب المقدس”.
وأحب بشكل خاص الجزء الذي يمتد من عدد 18 إلى 25. ربما اقتبست من هذا المقطع في كتاباتي أكثر من أي مكان آخر من رومية 8. في هذه الأعداد، يعطينا “بولس” وصفًا لا نظير له لتجربتنا المتناقضة من الأنين المليء بالرجاء وسط خليقة لا تزال تحت “عُبُودِيَّةِ الْفَسَادِ” (رومية 21:8). إننا ننتظر “حُرِيَّة المَجْدِ” التي وعدنا الله بها كأولاده، لكننا لا نراها بعد (آية 25). وهذا أيضًا أنا متأكد أنه أحد الأسباب التي جعلت “جون بايبر” يستكمل قائلاَ:
“لن أدعي أن الآيات من 18 إلى 25 هي أروع جزء في أعظم أصحاح في أعظم سفر في الكتاب المقدس، لكنها تقترب من ذلك”
إنها بالفعل كذلك. وأود أن ألفت انتباهكم إلى جزأين رائعين في هذا المقطع يجعلانه من أعظم المقاطع في الكتاب المقدس.
نمط مُلهم
أولاً، لاحظوا النمط الخاص الذي رسمه “بولس”، مذلة ثم يتبعها مجد. نراه في الآيات التالية:
- “آلاَمَ الزَّمَانِ الْحَاضِرِ“ يتبعها “الْمَجْدِ الْعَتِيدِ أَنْ يُسْتَعْلَنَ فِينَا” (عدد 18)
- “أُخْضِعَتِ الْخَلِيقَةُ لِلْبُطْلِ” يتبعها حصولها على “حُرِّيَّةِ مَجْدِ أَوْلاَدِ اللهِ” (عدد 20ـ21)
- أنين الخليقة كلها ـ وأنيننا نحن ـ يتبعه اكتمال “التَّبَنِّيَ فِدَاءَ أَجْسَادِنَا” (عدد 22ـ23)
هذا النمط الخاص ليس جديدًا لأي شخص دارس للكتاب المقدس. مذلة يتبعها مجد، نمط يتكرر كثيرًا عبر صفحات الكتاب المقدس.
نراه في “إبراهيم” الذي لما “دُعِيَ أَطَاعَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ عَتِيدًا أَنْ يَأْخُذَهُ مِيرَاثًا” وانتهى به الأمر إلى العيش “فِي أَرْضِ الْمَوْعِدِ كَأَنَّهَا غَرِيبَةٌ” ثم بعد ذلك أعطاها الله لنسله كما وعد (عبرانيين 8:11ـ9).
نراه في “موسى” الذي عاش 40 سنة راعيًا هاربًا في “مديان” قبل أن يدعوه الله ليخلص شعبه المأسور من “مصر”.
نراه في “داود”، الذي عانى من “شاول” ومطاردته المرعبة له في البرية قبل أن ينصبه الله ملكًا على “إسرائيل”.
| لن نرى مجد الله فحسب، لكننا سنلبس مجده. |
نراه بشكل خاص في “الرب يسوع” الذي“إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلًا للهِ. لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ. لِذلِكَ رَفَّعَهُ اللهُ أَيْضًا، وَأَعْطَاهُ اسْمًا فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ” (فيلبي 6:2ـ9).
لماذا المذلة قبل المجد؟
لكن لماذا؟ لماذا رتب الله أن تكون المذلة قبل الرفعة، الألم قبل المجد، البُطل قبل الحرية، الأنين قبل الفداء؟ بما أن لله مقاصد لا حصر لها في كل ما يفعله، فسأطرح سببًا واحدًا ـ سببًا بالغ الأهمية للبشر الساقطين: الإيمان. لأن
“بِدُونِ إِيمَانٍ لاَ يُمْكِنُ إِرْضَاؤُهُ، لأَنَّهُ يَجِبُ أَنَّ الَّذِي يَأْتِي إِلَى اللهِ يُؤْمِنُ بِأَنَّهُ مَوْجُودٌ، وَأَنَّهُ يُجَازِي الَّذِينَ يَطْلُبُونَهُ” (العبرانيين 6:11)
السبب الذي لأجله جعل الله الجنس البشري وكل الخليقة تخضع للبُطل هو كبرياء الإنسان. لكنه يقدم الغفران والمصالحة والفداء الأبدي لكل من يرغب في أن يتواضع تحت يده القديرة بالتوبة والإيمان (1 بطرس 6:5). كما قال “الرب يسوع”: “وَمَنْ يَضَعْ نَفْسَهُ يَرْتَفِعْ” (متى 12:23).
لكن مجرد كلمات التوبة والإيمان لا قيمة لها. يتم إثبات التوبة والإيمان الحقيقيين بالثمر الذي يحملانه (متى 8:3؛ غلاطية 6:5). لا شيء يكشف عن القلوب المتواضعة والمُحبة والأمينة لأبناء الله المفديين مثل الاختبارات المذلة والمحيرة والمؤلمة. أولئك الذين لهم “باكورة الروح” يجتازون هذه الوديان ويئنون مع الخليقة، لكن ينتظرون بفارغ الصبر تبنيهم الكامل ويظهرون أنفسهم كأبناء وبنات الله الحقيقيين (رومية 23:8). بمعنى آخر، نحن نخلص بنعمة الله وحدها وذلك بالإيمان وحده (أفسس 8:2)، لكن التواضع المسيحي دليل ضروري على أن إيماننا هو إيمان خلاصي. وهكذا يجب أن يكون المجد مسبوقًا بالمذلة.
أحرار لنكون ممجدين
هذا يأتي بنا إلى الجزء الثاني الرائع من هذه الفقرة: الوعد المذهل بأن زمن الأنين هذا سوف ينتهي. مثل كل أجدادنا في الإيمان، أولئك الذين يؤلفون سحابة الشهود المتزايدة إلى الأبد (عبرانيين 1:12)، فإننا نرحب بهذه المواعيد المستقبلية “من بعيد”، وبذلك نُظهِر أننا نطلب وطنًا، “وَلكِنِ الآنَ (نبتغي) يَبْتَغُونَ وَطَنًا أَفْضَلَ، أَيْ سَمَاوِيًّا. لِذلِكَ لاَ يَسْتَحِي (بنا) بِهِمِ اللهُ أَنْ يُدْعَى (إلههنا) إِلهَهُمْ” (عبرانيين 13:11ـ16).
بعبارة أخرى، نحن مثل أسلافنا، نئن في رجاء. “بَلْ وَإِنْ كَانَ إِنْسَانُنَا الْخَارِجُ يَفْنَى” و“نَئِنُّ مُشْتَاقِينَ إِلَى أَنْ نَلْبَسَ فَوْقَهَا مَسْكَنَنَا الَّذِي مِنَ السَّمَاءِ”، “لاَ نَفْشَلُ” (2 كورنثوس 16:4؛ 2:5). لأن الله قد قطع لنا وعدًا يشهد عنه الروح: سيتم فداء أجسادنا، وسنختبر بالكامل “حُرِّيَّةِ مَجْدِ أَوْلاَدِ اللهِ” (رومية 16:8 ، 21 ، 23).
هل فهمتم معنى الجملة الأخيرة؟ لقد وُعدنا بـ“حُرِّيَّةِ مَجْدِ أَوْلاَدِ اللهِ”. فنحن لن نرى مجد الله فحسب، لكننا سنلبس مجده أيضًا! سوف تشع أجسادنا الجديدة مجده! سنختبر شيئًا، كما قال “سي إس لويس”، “يصعب وضعه في كلمات ـ أن نتحد بالجمال الذي نراه، وأن ننتقل إليه، وأن نستقبله في أنفسنا، وأن نُغمر فيه، وأن نصبح جزءًا منه” (The Weight of Glory, 42).
فقط فكروا في الأمر: سنكون أحرارًا. أحرارًا بحق. لن نتحرر فقط من كل آثار البُطل المؤلمة، بل سنتحرر من كل أثر للكبرياء، سنتحرر من أي إغواء بأن نكون ندًا وثنيًا لله، سنتحرر من أي ميل إلى الغرور. سنتحرر لنتمجد! سنتحرر لنحمل ونلبس مجد أولاد الله! وسنرقص ونغني ونفرح باستجابة الله لصلاة “موسى” فوق كل ما يطلب أو يفتكر:
“فَرِّحْنَا كَالأَيَّامِ الَّتِي فِيهَا أَذْلَلْتَنَا، كَالسِّنِينِ الَّتِي رَأَيْنَا فِيهَا شَرًّا” (مزمور 15:90)
لأن أيام فرحنا المجيد ستفوق أيام آلامنا والسنوات التي رأينا فيها شرًا ستصبح مجرد ذكريات بعيدة وباهتة تزيد من الفرح الذي نشعر به. سنتحرر لنكون أولاد الله الفرحانين الممجدين!
هذا هو الرجاء الذي لنا وسط أنيننا الحالي، وسيكون أعظم مجازاة على إيماننا.
“لأَنَّنَا بِالرَّجَاءِ خَلَصْنَا. وَلكِنَّ الرَّجَاءَ الْمَنْظُورَ لَيْسَ رَجَاءً، لأَنَّ مَا يَنْظُرُهُ أَحَدٌ كَيْفَ يَرْجُوهُ أَيْضًا؟ وَلكِنْ إِنْ كُنَّا نَرْجُو مَا لَسْنَا نَنْظُرُهُ فَإِنَّنَا نَتَوَقَّعُهُ بِالصَّبْرِ” (رومية 24:8ـ25)
أجل، يا رب، نؤمن وننتظر. لكن ليت هذا اليوم يأتي سريعًا!
بقلم
“جون بلووم”
تم ترجمة المقال بالتعاون مع هيئة Desiring God
يمكنك قراءة المقال باللغة الانجليزية من خلال الضغط على الرابط التالي:



