جروح (غير) مُخلِصة من الزوجات

“وَلَمْ يَكُنْ لِمِيكَالَ بِنْتِ شَاوُلَ وَلَدٌ إِلَى يَوْمِ مَوْتِهَا” (2 صموئيل 23:6). يُعد هذا الحكم الصارم بمثابة الكلمة الأخيرة في قصة “ميكال” زوجة “داود” الملك.
ما بدأ كقصة حب ينتهى بمأساة. كيف انتهي الحال بابنة “شاول”، التي خاطرت بكل غال وثمين لأجل زوجها، إلى مثل تلك النهاية؟ قصد الله أن يُسجل في كلمته هذا المثال لمنفعتنا ولكي يبين لنا انحدارها من زوجة وفية إلى امرأة لا ترى في زوجها إلا أسوأ ما فيه، إذ أخطأت في تقييم الموقف وأصدرت حكمًا شريرًا عليه ارتد عليها. قصة “ميكال” قصة غنية بالدروس ، خاصة للزوجات المؤمنات اللاتي تميلن إلى تبني روح انتقادية بسبب صعوبة أو اختلاف الظروف عن توقعاتهن.
“ميكال” أحبت “داود”
من أول ما نعرفه عن “ميكال”، إلى جانب كونها الابنة الثانية لـ”شاول” الملك، هو أنها أحبت “داود. أحبته حتى قبل أن يقدم مئتين غُلفة من الفلسطينيين لأبيها مهرًا لها أي مئة غُلفة أكثر مما طلبه “شاول”. وهذا الحب لم يكن خدعة بل كان حبًا صادقًا، حبًا وفيًا اُختبر في ظروف حياة وموت:
فَأَرْسَلَ شَاوُلُ رُسُلًا إِلَى بَيْتِ دَاوُدَ لِيُرَاقِبُوهُ وَيَقْتُلُوهُ فِي الصَّبَاحِ. فَأَخْبَرَتْ دَاوُدَ مِيكَالُ امْرَأَتُهُ قَائِلَةً: «إِنْ كُنْتَ لَا تَنْجُو بِنَفْسِكَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ فَإِنَّكَ تُقْتَلُ غَدًا« فَأَنْزَلَتْ مِيكَالُ دَاوُدَ مِنَ الْكُوَّةِ، فَذَهَبَ هَارِبًا وَنَجَا (1 صموئيل 11:19ـ12)
معظم الزيجات الحديثة لا تواجه مثل هذا الاختبار: اتخاذ جانب والدك الملك، أم زوجك الجديد، أيهما تختارين؟ بالنسبة لـ”ميكال”، كان الجواب واضحًا. فقد دفعت زوجها إلى الهرب، ثم خدعت خُدّام أبيها لتحمي “داود”. لا يذكر الكتاب المقدس أي تردد من جانب “داود” في إتباع نصائحها، بل سمع لها، ووثق بها، ونفذ كل ما قالت، ونجى بحياته نتيجة لكل هذا. كانت نصائحها حقًا لخيره. كانت في صفه مهما كان الثمن.
هذا المشهد الذي تساعد فيه “ميكال” زوجها “داود” يجسد صورة الزوجة الفاضلة التي وصفها لنا سفر الأمثال: “اِمْرَأَةٌ فَاضِلَةٌ مَنْ يَجِدُهَا؟ لأَنَّ ثَمَنَهَا يَفُوقُ اللآلِئَ. بِهَا يَثِقُ قَلْبُ زَوْجِهَا فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى غَنِيمَةٍ. تَصْنَعُ لَهُ خَيْرًا لَا شَرًّا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِهَا” (أمثال 10:31ـ12). كانت مصداقية “ميكال” كزوجة أمينة مخلصة بداية واعدة.
مفاجأة غير متوقعة
في المرة التالية التي نسمع فيها عن “ميكال” نعلم أن أباها قد أعطاها
زوجة لرجل آخر هو “فلطيئيل” بن “لايش”. لكن “داود” لم ينسها.
وفي الوقت المناسب طالب بإعادتها إليه (2 صموئيل 13:3ـ14). وهكذا أُخذت من مملكة أبيها التي كانت على وشك الانهيار وعادت إلى مكانها الصحيح في بيت زوجها. لكن هذه العودة لم تصنع له “خيرًا لا شرًا” كل أيام حياته بل جلبت له طعنات سيف لسانٍ غير منضبط (أمثال 18:12).
عندما جلس “داود” على عرش “أورشليم”، عزم على هزيمة أعداء الله، الفلسطينيين، وعلى إعادة تابوت الله إلى”أورشليم”. بعد توقف دام ثلاثة أشهر في منزل “عوبيد أدوم”، أدخل “داود” التابوت أخيرًا إلى المدينة:
“فَذَهَبَ دَاوُدُ وَأَصْعَدَ تَابُوتَ اللهِ مِنْ بَيْتِ عُوبِيدَ أَدُومَ إِلَى مَدِينَةِ دَاوُدَ بِفَرَحٍ. وَكَانَ كُلَّمَا خَطَا حَامِلُوا تَابُوتِ الرَّبِّ سِتَّ خَطَوَاتٍ يَذْبَحُ ثَوْرًا وَعِجْلًا مَعْلُوفًا. وَكَانَ دَاوُدُ يَرْقُصُ بِكُلِّ قُوَّتِهِ أَمَامَ الرَّبِّ. وَكَانَ دَاوُدُ مُتَنَطِّقًا بِأَفُودٍ مِنْ كَتَّانٍ. فَأَصْعَدَ دَاوُدُ وَجَمِيعُ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ تَابُوتَ الرَّبِّ بِالْهُتَافِ وَبِصَوْتِ الْبُوقِ” (2 صموئيل 12:6ـ15)
كان “داود” يفيض بالفرح فكان يرقص بكل قوته أمام الرب، غير مبال بنظرة الآخرين إليه. لكن “ميكال” كانت شديدة الاهتمام بنظرات الآخرين وانطباعاتهم. وعندما جاء إليها ليباركها واجهته هكذا:
“وَرَجَعَ دَاوُدُ لِيُبَارِكَ بَيْتَهُ. فَخَرَجَتْ مِيكَالُ بِنْتُ شَاوُلَ لاسْتِقْبَالِ دَاوُدَ، وَقَالَتْ: «مَا كَانَ أَكْرَمَ مَلِكَ إِسْرَائِيلَ الْيَوْمَ، حَيْثُ تَكَشَّفَ الْيَوْمَ فِي أَعْيُنِ إِمَاءِ عَبِيدِهِ كَمَا يَتَكَشَّفُ أَحَدُ السُّفَهَاءِ«” (2 صموئيل 20:6)
جروح غير أمينة
يخبرنا أمثال 6:27 أن هناك نوعًا من الجروح يمكن أن يسببه صديق مخلص بكلامه. هذه “الجروح الأمينة” ليست طعنات طائشة بسيف اللسان، بل نوعًا من الجروح هدفه الشفاء والمصالحة. في بداية زواجهما أعطت “ميكال” لـ”داود” نصائح أمينة لإنقاذ حياته ثم الآن توجه له تعليقات لاذعة من الازدراء والاستهزاء مقنعة بنقد صائب. كانت كلماتها بقصد الإيذاء وكان “داود” يعرف هذا إذ شعر بأنه “يتصاغر” و”وضيعًا” في عينيها (2 صموئيل 22:6). ربما ظنت أن كلامها يهدف إلى الإصلاح والشفاء لو فقط “داود” وافق على نقدها وأخذه على محمل الجد.
ربما بدا مبتذلاً بعض الشيء. ربما كان مشهدًا محرجًا. ربما كان بإمكانه الرقص بطريقة لا تلفت الأنظار إليه إلى هذا الحد. لكنها لم تأخذ في الاعتبار أهم شيء: رأي الله في ذلك.
تنتقد العديد من الزوجات أزواجهن بناءً على تصورهن الخاص للأمور. لديهن فكرة عما يجعل الحياة الأسرية أو الأمسية أو الخدمة رائعة، ويعتقدن أنهن يعرفن ما يجب أن يكون عليه أزواجهن أو ما يجب أن يفعلوه لتحقيق تلك الأهداف. لا يسعهن إلا أن يلاحظن أن الأزواج المسيحيين الآخرين يلتزمون بجدول زمني محدد أو يخصصون وقتًا للإجازات العائلية أو يساعدون في غسل الأطباق أو يقودون المذبح العائلي اليومي أو يحافظون على نظافة الفناء أو يمتنعون عن إلقاء النكات السخيفة. إن تصورهنّ لما هو الأفضل له يتعارض مع واقع الحياة اليومية، مما يجعلهنّ في كثير من الأحيان غير راضيات، بل ومتغطرسات. ومن هذا القلب المسموم، يندفع الماء المالح، تاركاً زوجهن بجروح لا يمكن الاستهانة بها (يعقوب 6:3ـ13).
تتوقف الزوجة المستاءة بهدوء وخفاء عن اللعب في صف زوجها وتشكل فريقًا خاصًا بها ينافسه ويحاول هزيمته. لم يعد الخضوع هو توجه قلبها، لذا فليس من المستغرب أن يضعها كلامها في مركز القيادة. سوف تميل هذه الزوجة إلى استخدام الله لتحقيق غاياتها بدلاً من العيش في مخافته. قد تبدو تقديراتها ـ مثل “ميكال” ـ سليمة وتشير إلى مشاكل واضحة بل قد يكون إحساسها بما يجب على زوجها فعله صحيحًا.
لكن حتى تُهيىء قلبها لتسعى بإخلاص إلى طلب الخير لزوجها أمام الله ستظل زوجة محبطة يفتقر كلامها إلى النعمة اللازمة لبنيان سامعيها.
خيرًا كل أيام حياته
لحسن الحظ لم يتأثر “داود” بجراح “ميكال” غير الأمينة بل أجابها كرجل يعيش لأجل واحد فقط: “إِنَّمَا أَمَامَ الرَّبِّ الَّذِي اخْتَارَنِي دُونَ أَبِيكِ وَدُونَ كُلَّ بَيْتِهِ لِيُقِيمَنِي رَئِيسًا عَلَى شَعْبِ الرَّبِّ إِسْرَائِيلَ، فَلَعِبْتُ أَمَامَ الرَّبِّ” (2 صموئيل 21:6). بعبارة أخرى، لن يعيش ليرضي منظورها للأمور. هي تراه مبتذلاً أما هو فيعلم أنه ليس كذلك. إنه لا يعبد الله لينال استحسان الرجال أو الفتيات أو حتى زوجته. بل يعبد الله لإرضاء الله، ولن يمنعه شيء من ذلك.
كما نعلم لم تنتهي القصة بنهاية سعيدة لـ”ميكال”. ونقرأ في آخر ما يُذكر عنها أنها “بنت شاول” لا “زوجة داود” ـ وصف مناسب لامرأة تحول حبها لزوجها إلى شكوك مُضللة، مثلما حدث مع والدها. لكن يا أخواتي المسيحيات المؤمنات، يمكننا أن نثق بأن هناك أشياء أفضل لمن ينقاد بروح الله.
كوني وفية لزوجك. ابحثي عن أفضل ما فيه. احرصي بشدة على أن تري زوجك كما يراه الله بدلاً من الانشغال بآرائك الخاصة أو الاهتمام بتصورات الآخرين. عندها فقط ستكونين قادرة على تقديم كلمات صادقة لزوجك تصنع له خيرًا لا شرًا كل أيام حياته، أي بطريقة ترضي الله. عندما تكون الزوجة مخلصة لزوجها وتتمتع بثقته، وعندما يكون قلبها متوافقًا مع ما يرضي الله، حتى انتقاداتها تصبح شفاءً في عظامه.
بقلم
“أبيجايل دودز”
تم ترجمة المقال بالتعاون مع هيئة Desiring God
يمكنك قراءة المقال باللغة الانجليزية من خلال الضغط على الرابط التالي:
https://www.desiringgod.org/articles/untrustworthy-wounds-from-wives



