بيت غير قابل للانهيار ما يقوله الله لليتيم

ما هو شعورك تجاه كلمة “أب”؟
حين كنت صغيرًا، كنت أشعر بأن الكلمة كالشوكة في جسدي. تذكرني دائمًا بما لم يكن لدي. كانت تفتح أبواب أودية سحيقة من الإحباط وعدم الأمان والغيرة. أب: كلما سمعت الكلمة، كانت تعيد إلى ذهني قسوة ما كنت أحاول نسيانه. كنت بلا أب.
ربما تكون قصتك متشابهة. ربما تركك والدك، مثلي، تركك أنت وأسرتك عندما كنت صغيرًا. أو ربما كان والدك، على عكس أبي، موجودًا بالبيت لكن لم يكن متواجدًا معك. أو ربما كان ينوي أن يكون أبًا صالحًا لكن مرض ما أو كارثة ما أو الموت منعه من ذلك.
بغض النظر عن السبب، كثيرون اليوم يعتبرون أنفسهم بلا أب. قد تحسب نفسك من بينهم. لكن هل عرفت نفسك أيضًا في ضوء ما يقوله الله، الآب، لشعبه اليتيم؟
سيكون أبًا لك
الأب نعمة رائعة من الله. كان لدي القليل من الرموز الأبوية أثناء نشأتي، ربما كان لديك أنت أيضًا. رغم أن بعضهم كان كأب حقيقي لي، إلا أنه لم يكن أحدًا منهم أبي بالفعل. فقد كانوا يعودون إلى بيوتهم في نهاية اليوم وأنا إلى بيتي، لأجد أن مهربي المؤقت من اليُتم قد تبخر مرة أخرى. هل يمكن ليتيم الأب أن يجد أبًا حقيقيًا له؟ يرد بالإيجاب الملك “داود” وهو ينشد مزمور 68:
“أبو اليتامى… الله في مسكن قدسه” (مزمور 5:68)
يا لها من حقيقة مبهرة! الله ليس مجرد رمز أبوي لليتيم. وليس أبًا مؤقتًا أو بدوام جزئي أو احتياطيًا أو عند الحاجة فقط. إنه أب بدوام كامل، وبكل معنى للكلمة، لمن لا أب له (مزمور 5:68).
إنه يؤدب كأب (عبرانيين 7:12)، ويصغي كأب (متى 9:6)، ويعطي كأب (متى 11:7)، ويحنو ويترأف كأب (مزمور 13:103) ويشمل ذلك اليتامى. إنه موجود ومتاح لأبنائه بطرق لا يمكن حتى لأفضل الآباء في العالم أن يكونوا عليها.
لا ينعس أو ينام وأنت تتقلب في فراشك ليلاً. رغم أن حتى أفضل الآباء الأرضيين لا بد وأن ينالوا قسطًا من الراحة في النهاية، إلا أن الله الآب يظل متنبهًا ويقظًا ـ على أتم الاستعداد دائمًا لسماع صوت أبنائه (مزمور 6:17).
لا يعطي أبدًا نصائح سيئة أو يُضل كما قد يفعل حتى أفضل الآباء في بعض الأحيان. لا، نصائحه دائمًا صالحة ومشوراته دائمًا حكيمة. يُقوِم سبل أولاده (أمثال 6:3).
لا تضعف قوته أو تخور صحته كما هو الحال مع أقوى الآباء الأرضيين. يتقوى أولاده بقوته (أفسس 10:6) ـ حتى وخاصة عندما يرون أنهم لا يملكون أي قوة في ذواتهم (2 كورنثوس 10:12).
| رغم أن حتى أفضل الآباء الأرضيين لا بد وأن ينالوا قسطًا من الراحة في النهاية، إلا أن الله الآب يظل متنبهًا ويقظًا. |
كان غياب أبيك عن حياتك حقيقيًا وذا أهمية. لكن حضور الله في حياتك أكثر واقعية وأهمية. إنه ليس كأب، بل هو الآب الحقيقي. وليس أي أب، بل أبوك السماوي.
هل تتوق لمعرفة محبة الأب؟ هل تتوق لأن يكون لك من تدعوه أبًا لك؟ في المسيح، الله هو أب من لا أب له، ويصبح اليتيم ابنًا في حضنه.
معونته ستكون من نصيبك
جميعنا محتاجون بطبعنا. عندما يلبي الآباء تلك الاحتياجات، يسود الهدوء والشعور بالأمان. أما عندما لا يقومون بهذه الوظيفة، يسيطر الخوف والقلق وتبدأ أسئلة عديدة في الظهور: من سيدافع عني عندما يسعى أحدهم لإيذائي؟ من سيعيلني عندما تشتد حاجتي؟ من سيكون بجانبي ليخبرني من أنا، وما هي قيمتي، وإلى أين أذهب عندما أشعر بالتيه؟
إذا كنت يتيم الأب، فإن كلمة “أب” تُستبعد من قائمة الاجابات الصحيحة. يبدو أنها مسألة وقت فقط قبل أن تمتلئ الفراغات بعبارات مثل “لا أحد” أو “أعتقد أنني سأضطر إلى”. ستُخفي هذه الأصوات حاجتنا لبعض الوقت. أو ستخدرنا لمدة قليلة. لكنها لا تستطيع أن تغير الواقع، لا زلنا بحاجة إلى المساعدة إلى أن يأتي العون. لكن أي نوع من العون يحتاجه اليتيم؟ يقول مزمور 14:10 “أنت صرت معين اليتيم”.
عندما يرفع اليتامى عينهم إلى الجبال، من أين يأتي عونهم؟ معونتهم من عند الرب، صانع السماوات والأرض (مزمور 2:121). إنه صانع حق اليتيم (تثنية 18:10). هو من يقيم دعواه (أمثال 10:23ـ11) ويحفظه ويعضده (مزمور 9:146). ويحميه بشريعته، ويسمع صراخه وينتقم له حتى لا يكون للظلم الكلمة الأخيرة (خروج 22:22). لطالما لجأ إليه اليتامى على مر العصور عارضين احتياجاتهم. صرخوا إليه منتظرين محبة ورعاية وحماية. وكان هو كأب لهم عونًا وسندًا دائمًا.
هل تشعر بالحاجة؟ هل تشعر بالضعف؟ هل تبحث عن أب يقويك ويعينك ويعضدك (إشعياء 10:41)؟ أب يسير معك ولا يتركك ولا يهملك (تثنية 6:31)؟ أب تلقي عليه كل مخاوفك وقلقك وتختبر عنايته الحقيقية (1 بطرس 7:5)؟ كف عن البحث. لقد كان الله معينًا لليتامى. إذا وضعت رجاءك فيه، فسيكون هو أيضًا معينًا لك.
بيته سيكون بيتك
بيت بدون “رجل البيت” نادرًا ما يعطيك الشعور بأنه بيت. فمع وجود أحد الوالدين بدلًا من اثنين، قد يشعر أهل البيت بأنه عالق في حالة من التخبط وعدم الاستقرار، وناقصًا على الدوام. فهو، في النهاية، جزء بسيط مما صممه الله أن يكون، وغالبًا ما يعرف هذا كل من بداخله. فهل سيتذوق اليتيم يومًا طعم البيت الحقيقي؟
في مزمور 27 يتمتع “داود” بمجد البيت ـ بيت الله. فهنا مكان يغمره الفرح الأسمى: “فَأَذْبَحُ فِي خَيْمَتِهِ ذَبَائِحَ الْهُتَافِ” (عدد 6). وهنا يمكن الشعور بأمان لا يتزعزع: “يَسْتُرُنِي بِسِتْرِ خَيْمَتِهِ” (عدد 5). وهنا مكان يمكن فيه الاستمتاع بألفة لا مثيل لها مع الآب: “لِكَيْ أَنْظُرَ إِلَى جَمَالِ الرَّبِّ، وَأَتَفَرَّسَ فِي هَيْكَلِه” (عدد 4). لا عجب أن “داود” يشتاق إلى الذهاب إلى هناك. لكن أتعرف من مدعو أيضًا؟
“إِنَّ أَبِي وَأُمِّي قَدْ تَرَكَانِي وَالرَّبُّ يَضُمُّنِي” (مزمور 10:27)
انظروا كيف يقترب الأيتام من بابه أفواجًا. انظروا إلى الآب وهو يفتح لهم بابه على مصراعيه. تأملوا ابتسامته، وسعادته، وفرحه وهو يقودهم جميعًا إلى غرفتهم – تلك التي صنعها خصيصًا لهم. بيته هو الآن بيتهم. دياره هي الآن ديارهم. هو، الإله الذي سكن بينهم، يجعل الآن مسكنهم معه. إنهم في بيتهم، أخيرًا في بيتهم، يختبرون كل ذرة من المجد بما تحمله هذه الكلمة من معنى.
من كان يومًا بلا أب، أصبح الآن له أب. من كان يومًا بلا سند، أصبح الآن له معين. من كان يومًا متمرغًا بين أنقاض بيت محطم، أصبح الآن واقفًا في مجد بيت غير قابل للانهيار. هذه هي نعمة إلهنا وأبينا الرائع. فقد أرسل ابنه حتى نكون أبناءً له، ويعمل الآن دومًا لخير أولاده.
بقلم
“مايك شومان”
تم ترجمة المقال بالتعاون مع هيئة Desiring God
يمكنك قراءة المقال باللغة الانجليزية من خلال الضغط على الرابط التالي:



