مقالات

لا تنس إحساناته

كيف يثير سرد القصص الأمل

 

“لا يمكنني التحكم في السيارة”

بعد ساعة من بدء رحلة عيد الشكر السنوية إلى شمال “كارولينا”، أيقظتني كلمات زوجي من غفلتي. في غضون ثوان معدودة، اصطدمت شاحنتنا، التي كانت تسير بسرعة تزيد عن 70 ميلاً في الساعة، ببقعة من الجليد الأسود، ففقدت ثباتها، وانزلقت عابرة الطريق، مصطدمة بالحاجز السلكي الفاصل بين الاتجاهين، مما أعادنا إلى الطريق ولكن هذه المرة في مواجهة السيارات القادمة في الاتجاه المعاكس. بعد أن استعاد زوجي السيطرة على السيارة، قاد سيارتنا “تويوتا سيينا” المحطمة عبر مسارين من الطريق السريع ثم صعدنا إلى مخرج أعده الله القدير. بينما كنا نعبر هذه المسارات، لاحظت قطع حطام سيارتنا المتناثرة على الطريق السريع، ورأيت سيارة أخرى تنزلق على نفس البقعة من الجليد الأسود وتنجرف خارج الطريق تمامًا في اللحظة التي خرجنا منه. لم يستغرق الحادث سوى عشر أو خمس عشرة ثانية، مما أتاح لنا الوقت الكافي فقط لتنبيه أطفالنا إلى الخطر ورفع صلوة سريعة إلى الرب طلبًا للمعونة. وقد استجاب وأعاننا بالفعل.

أخذنا نتفقد أحوال بعضنا البعض رغم أننا لا زلنا تحت تأثير الصدمة. السيارة كانت محطمة تمامًا، لكن الله نجانا من أي أذى جسدي. شكرنا الله فورًا على إنقاذه لنا بعد هذه المواجهة المباشرة مع هشاشة الحياة. ثم في الساعات التي تلت ذلك، ومع تلاشي آثار الصدمة، بدأ الفضول يسيطر علينا.

قال أحد أبنائي ذات يوم: “احكيا لنا عن جميع السيارات التي امتلكتماها”. ثم حدث أمر مذهل حين بدأنا نروي قصة تلو الأخرى عن عناية الله على مر السنين. تجولنا في مخيلتنا داخل متحف يعرض صورًا لأمانة الله نحونا ونحن نسترجع تاريخ سياراتنا. قصص عديدة عن رعاية الله المدهشة وكرم لم يكن في الحسبان كانت تزين جدران المتحف. استحضرنا ذكريات منسية لهدايا من العائلة والصدقاء وأعضاء الكنيسة الكرماء. تذكرنا حتى إعلان عابر على موقع “كريج ليست”. وكيف لي أن أنسى ذلك الميكانيكي الذي أشفق عليّ وأنا طالبة جامعية فقيرة ولم يتقاض مني أجرًا على إصلاح خرطوم مفصول؟

بينما كنا نتذكر عناية الله الشخصية بنا، تشجعت قلوبنا من جديد بصلاحه. وأثار تذكرنا لإحساناته السابقة رجاءً “لإخماد الشك المتصاعد” بأنه ربما هذه المرة لن يأت لمعونتنا. لا يسعنا في تلك الأوقات إلا أن نُخَبِر بأعماله من “دور إلى دور” (مزمور 4:145). كان تاريخ سياراتنا مجرد عدسة صغيرة نرى من خلالها قدرة الله، وكل حكاية بمثابة ترياق لسم النسيان. ماذا لو راجعنا تاريخ بيوتنا، أو تاريخ عملنا أو صحتنا؟ لن يكفينا الوقت لو أردنا أن نسرد كل ما قدمه الله لنا من معونات وإحسانات على مر السنين.

عندما يصمت الحُكاة

النسيان سمة بشرية. أصيب بنو “إسرائيل” بداء النسيان بعد خروجهم من مصر ودخولهم أرض الموعد. نقرأ عنهم أنهم “نَسُوا الرَّبَّ إِلَهَهُمْ” في قضاة 7:3. وبالمثل يقول قضاة 34:8 “وَلَمْ يَذْكُرْ بَنُو إِسْرَائِيلَ الرَّبَّ إِلَهَهُمُ الَّذِي أَنْقَذَهُمْ مِنْ يَدِ جَمِيعِ أَعْدَائِهِمْ مِنْ حَوْلِهِمْ”.

ومع مرور السنين، تلاشت الفرحة بخلاصهم لتصبح ذكرى بعيدة. وانشغلت كل عشيرة بزراعة أرضها والتمتع بخيراتها. ونسي الآباء بعد أن شبعوا اتكالهم على الله ليسدد احتياجاتهم. بددت رغبة التشبه بالأمم المحيطة بهم ذكرى العهد الذي قطعوه مع الله. برزت هموم ومشاغل جديدة تزاحمت مع قصص خلاص الله لهم من أخطار الماضي. صمت الآباء الذين كانت عقولهم تعج بمراحم الله وأمانته: “وَقَامَ بَعْدَهُمْ جِيلٌ آخَرُ لَمْ يَعْرِفِ الرَّبَّ، وَلَا الْعَمَلَ الَّذِي عَمِلَ لإِسْرَائِيلَ” (قضاة 10:2).

لكن أمام نسيان البشر ظل الله الأمين يعمل بدون انقطاع. يسجل كاتب سفر القضاة سلسلة من عمليات الخلاص الإلهية كافية كي ترى الأجيال متعاقبة الرب وتعرفه. في قصص سفر القضاة المتنوعة كان بإمكان بنو “إسرائيل” أن يسترجعوا معونات الله المذهلة، ومنقذيه غير المتوقعين، وأبطاله غير التقليديين، حيث شكلت كل قصة معرضًا آخر في متحف أمانة الله ـ ترياقًا إلهيًا لداء النسيان القاتل. ومع ذلك ظلت الأجيال المتعاقبة صامتة مما عرضها هي وأولادها لخطر النسيان.

لو أن شعب “إسرائيل” قد درس قصة “إيهود”، ذلك الأعسر غير التقليدي الذي صنع سلاحه بنفسه وخطط لمؤامرة جريئة لقتل “عجلون” الملك المستبد السمين. سيحب الصبية الصغار هذه القصة بشكل خاص! وبالتأكيد فإن قصة “دبورة” و”باراق” وهزيمة الكنعانيين عند جبل “تابور” تستحق التكرار. وبفضل قوتها الأنثوية التي تغلبت بها على “سيسرا” الجبار أصبحت “ياعيل” بطلة غير متوقعة لإحدى أناشيد “إسرائيل” الحربية، أنشودة تلاشت لاحقًا من أذهان الشعب. قد تعتقد أن بني “إسرائيل” كانوا سيحبون إعادة سرد قصة “جدعون” ذلك المزارع الخائف الذي نهض بالإيمان وهزم ببسالة جموع المديانيين بثلاثمائة رجل فقط، وبعض المصابيح والجرار.

قصة بعد قصة، شخصية تلو شخصية، أظهر الله قدرته لشعب ميالٍ إلى النسيان. هذا ما نتعلمه من خطأ “إسرائيل”: لا تكف عن رواية قصصك! قرر في قلبك قائلاً: “لَا نُخْفِي عَنْ بَنِيهِمْ إِلَى الْجِيلِ الآخِرِ، مُخْبِرِينَ بِتَسَابِيحِ الرَّبِّ وَقُوَّتِهِ وَعَجَائِبِهِ الَّتِي صَنَعَ” (مزمور 4:78).

احكي قصتك

لدينا جميعًا قصص نرويها تشهد عن إحسانات الله وأمانته.

يمكننا أن نروي سلسلة الأحداث التي قادتنا إلى “الرب يسوع”. بل يمكننا أن نتباهى بالعديد من القصص العادية والمذهلة عن عناية الله بنا طوال حياتنا. بإمكاني أن أحكي لكم كيف استخدم الله ذات مرة حريقًا وبوليصة تأمين منتهية الصلاحية ليساعدنا على تحقيق الاستقرار المالي عندما كنا غارقين في ديون الرهن العقاري ـ أو كيف استخدم عملية انتقال صعبة ظننت أنه سيقسي قلب طفلي بالمرارة، ليقنعه على نحو غير متوقع بصلاح اتباع “الرب يسوع”.

ماذا عنكِ؟ هل حفظ الله حياتك؟ هل غفر لكِ وحرركِ من خطية عالقة منذ زمن؟ هل أنقذك من موقف عصيب؟ ربما قدم لكِ مخرجًا حين شعرتِ بأنك محاصرة أو سلط ضوءه على موقف غامض ومحير. من المؤكد أنه وفر لكِ طعامًا ومالاً ولباسًا وبيتًا وعملاً بطرق متوقعة وغير متوقعة. وكان عونًا متاحًا لكِ وقت الشدة. واستخدم بنعمته يد مؤمن آخر ليقودك عبر البحر (مزمور 19:77ـ20).

كثيرًا ما نلوذ بالصمت حين ينبغي لنا أن نتكلم. شواهد أمانة الله متعددة ومخزنة في مخازن طويلة الأمد حيث تبقى مهملة ومنسية. نهمل تناول الترياق، فيزدهر النسيان وينمو وتتأصل مشاعر كثيرة كالجحود والشفقة على الذات والشك في الله. لكن ما أعظم الخير الذي نحصل عليه لأنفسنا إذا اختارنا ـ كما فعل “داود” ـ ألا ننسى كل حسنات الرب (مزمور 2:103). وما أعظم الخير الذي يمكننا أن نقدمه للجيل القادم لو فتحنا أفواهنا لنشهد بأعمال الله المجيدة.

تكرار سرد قصص عن أمانة الله يحفظ قلوبنا من النسيان، كما أن الاستماع إلى تلك القصص هو إحدى الطرق التي يبني بها الله الإيمان في القلوب الصغيرة.

عزيزتي القارئة، من أجل أمانتك وأمانة الجيل القادم، لا تتوقفي أبدًا عن سرد قصصك!

 

بقلم

“تشاريس كومبتون”

 

تم ترجمة المقال بالتعاون مع هيئة      Desiring God

 

يمكنك قراءة المقال باللغة الإنجليزية من خلال الضغط على الرابط التالي:

https://www.desiringgod.org/articles/forget-not-his-faithfulness

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى