اكتساب الحكمة مع التقدم في السن كيف نتعلم الرجاء من خلال الضيقات

جئت للتو من حفل لم الشمل الأربعين لمدرستي الثانوية. يساورني شعور غريب بعض الشيء لكتابة هذا. هل مرت أربعون سنة بالفعل؟ إنه تذكار آخر لما كنت أفكر فيه مؤخرًا: حياتنا قصيرة جدًا، أقصر مما نحب أن نتخيل.
أتذكر يوم التخرج كأنه حدث بالأمس: كنا جميعًا في السابعة عشرة أو الثامنة عشرة، وكان معظمنا يشعر بنشوة عارمة ونحن واقفون معًا للحظة عند تلك المرحلة الفارقة، على حافة سن الرشد، مملوئين بالآمال والأحلام.
أصبح أغلبنا الآن أكبر سنًا من آبائنا عندما تخرجنا من المدرسة الثانوية ـ في واقع الأمر، عدد كبير منا أصبح أجدادًا ـ مما جعل اجتماعنا غريبًا إلى حد ما. عُرضت صور لنا من سنوات دراستنا الثانوية على شاشات العرض في القاعة بينما كنا نتواصل مع الأصدقاء والمعارف القدامى، وجميعنا الآن بشعر أبيض خفيف وأجسادنا تظهر عليها آثار الجاذبية والأشعة الشمسية وتغيرات عملية التمثيل العضوي مع اقترابنا السريع من سن التقاعد في مجتمعنا.
لكن هذه ليست الخسائر الوحيدة التي تكبدناها. لقد اختبرنا أيضًا، بطرق متفاوتة وبدرجات متفاوتة، حقيقة كونية كتب عنها “موسى” قائلاً:
“أَيَّامُ سِنِينَا هِيَ سَبْعُونَ سَنَةً، وَإِنْ كَانَتْ مَعَ الْقُوَّةِ فَثَمَانُونَ سَنَةً، وَأَفْخَرُهَا تَعَبٌ وَبَلِيَّةٌ، لأَنَّهَا تُقْرَضُ سَرِيعًا فَنَطِيرُ.” (مزمور 10:90)
لقد اكتشفنا أن الحياة لا تمضي أسرع مما توقعنا فحسب، بل إنها أصعب مما توقعنا أيضًا.
| لقد اكتشفنا أن الحياة لا تمضي أسرع مما توقعنا فحسب، بل أنها أصعب مما توقعنا أيضًا. |
أعلم أن كل هذا يبدو محبطًا بعض الشيء. لكن رجاءنا يجب أن يكون رجاءً حقيقيًا إذا كان سيعيننا في الحياة الواقعية، وليس الرجاء الوهمي الذي يشبه الأحلام التي كانت تراودنا أنا وملائي عند تخرجنا. لا يتحقق الرجاء الحقيقي إلا عندما نتصالح مع الواقع المفزع الذي نواجهه كلنا في هذا الزمن. ومواجهته بصدق هو ما يصوغ فينا “قلب حكمة” (مزمور 12:90)، ذلك القلب الذي يعلمنا مزمور 90 كيف ننميه.
لماذا نشعر بالخوف والرهبة؟
إنه لأمر مشجع أن “موسى”، أحد الرجال الأتقياء الذين عاشوا على الأرض، الذي أسس رجاءه على الله ومواعيده، كان يشعر بالفزع بسبب خبرته وملاحظته للحياة، مثلنا في كثير من الأحيان. لكن في هذا المزمور، لا يسلك طريقًا مختصرًا نحو الرجاء. فرجاؤه الحقيقي يرتكز على واقع الحالة البشرية. لهذا السبب نسمعه أولاً يرثي النهاية التي نواجهها جميعًا: الموت.
الخوف من رهبة الموت
يدخل “موسى” مباشرة إلى صلب الموضوع حين قال:
“تُرْجعُ الإِنْسَانَ إِلَى الْغُبَارِ وَتَقُولُ: ارْجِعُوا يَا بَنِي آدَمَ” (مزمور 3:90)
كلنا نخشى الموت. نخافه لأسباب عديدة لكن هناك سبب أساسي وراء كل الأسباب: الموت هو دينونة الله على البشر الخطاة، ونحن نعلم بديهيًا أن دينونة الله مروعة. عندما صلى “موسى” وقال: “تُرْجعُ الإِنْسَانَ إِلَى الْغُبَارِ”، يمكننا أن نرى أنه على اتصال بالواقع لأنه يستشهد بكلام الله له:
“تَعُودَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُخِذْتَ مِنْهَا. لأَنَّكَ تُرَابٌ، وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ” (تكوين 19:3)
ربما أنا وأنت سنكون من بين الأحياء عند عودة “الرب يسوع”، وسنختبر “ابتلاع الحياة” لأجسادنا الفانية (2 كورنثوس 4:5). أتخيل أن كل قديس منذ قيامة الرب تمنى وصلى ليتحقق هذا الاختبار. لكن هناك حكمة يمكن اكتسابها من التفكير الدقيق في الاحتمال الكبير أن يومًا ما قريبًا ـ قريبًا بشكل محير ـ سيقول الله لنا “تعود يا بني آدم”.
الخوف من الغضب الإلهي
ثم يتوغل “موسى” في جوهر خوفنا من دينونة الموت:
“لأَنَّنَا قَدْ فَنِينَا بِسَخَطِكَ وَبِغَضَبِكَ ارْتَعَبْنَا. قَدْ جَعَلْتَ آثامَنَا أَمَامَكَ، خَفِيَّاتِنَا فِي ضَوْءِ وَجْهِكَ. لأَنَّ كُلَّ أَيَّامِنَا قَدِ انْقَضَتْ بِرِجْزِكَ. أَفْنَيْنَا سِنِينَا كَقِصَّةٍ. أَيَّامُ سِنِينَا هِيَ سَبْعُونَ سَنَةً، وَإِنْ كَانَتْ مَعَ الْقُوَّةِ فَثَمَانُونَ سَنَةً، وَأَفْخَرُهَا تَعَبٌ وَبَلِيَّةٌ، لأَنَّهَا تُقْرَضُ سَرِيعًا فَنَطِيرُ. مَنْ يَعْرِفُ قُوَّةَ غَضِبَكَ؟ وَكَخَوْفِكَ سَخَطُكَ” (مزمور 7:90ـ11)
بالنسبة لنا نحن الذين نعيش على هذا الجانب من عمل “الرب يسوع” الكفاري على الصليب، ربما تبدو هذه الكلمات مربكة ومحيرة. ألم يدفع الرب كل شيء عنا؟ إذا صح هذا، فكيف لا نزال تحت الغضب الإلهي؟ هنا حيث نجد، كمؤمنين، أساس الرجاء الحقيقي.
رجاء وسط الخوف
يذكرنا وصف “موسى” لخوفنا من التعب والبلية بالتجربة الغريبة للعيش في ملكوت الله الذي لم يأت بعد. لأنه عندما مات “الرب يسوع” دفع الثمن بالكامل عن خطايا جميع القديسين في الماضي والحاضر والمستقبل.
“الَّذِي قَدَّمَهُ (يسوع) اللهُ كَفَّارَةً بِالإِيمَانِ بِدَمِهِ، لإِظْهَارِ بِرِّهِ، مِنْ أَجْلِ الصَّفْحِ عَنِ الْخَطَايَا السَّالِفَةِ (لقديسين سابقين) بِإِمْهَالِ اللهِ. إِظْهَارِ بِرِّهِ فِي الزَّمَانِ الْحَاضِرِ، لِيَكُونَ بَارًّا وَيُبَرِّرَ مَنْ هُوَ مِنَ الإِيمَانِ بِيَسُوعَ” (رومية 25:3ـ26)
إن موت “الرب يسوع” “يُنْقِذُنَا مِنَ الْغَضَبِ الآتِي” (1 تسالونيكي 10:1)، لذا عندما “نُظْهَرُ أَمَامَ كُرْسِيِّ الْمَسِيحِ” (2 كورنثوس 10:5) لن تقع علينا أي دينونة (رومية 1:8)، بل سننال “هِبَةُ اللهِ (فَهِيَ) الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا” (رومية 23:6).
لكن في هذا العصر، وحتى يعود “الرب يسوع”، مازلنا نتحمل التجربة المؤلمة للعيش في جسد حيث تسكن الخطية في أعضائنا (رومية 23:7ـ25). ما زلنا نتحمل “تعب وبلية” العيش في عالم خاضع للفساد مع الأنين المصاحب له (رومية 20:8). وما زلنا نعاني من التجربة المؤلمة لموت أجسادنا. بكلمات أخرى، ما زلنا نختبر نفس نوع الأحزان المروعة التي ندبها “موسى”.
| الحياة لا تمضي أسرع مما توقعنا فحسب، بل إنها أصعب مما توقعنا أيضًا. |
لكن لمن له آذان للسمع، هناك بشرى سارة في هذا الجزء الرصين من صلاة “موسى”. عندما يصلي قائلاً: “مَنْ يَعْرِفُ قُوَّةَ غَضِبَكَ؟ وَكَخَوْفِكَ سَخَطُكَ” (مزمور 11:90)، الجواب هو أن المؤمن يعرف هذا. بالنسبة لأولئك الذين يضعون ثقتهم في الرب، فإن أجسادنا الساقطة، وتعبنا وبليتنا، وموتنا الوشيك، كل هذا يجعلنا نفكر في حقيقة القضاء الإلهي ونرى أنه يشير إلى رجاء الإنجيل، نفس الرجاء الذي كان لدى “موسى”، حتى وإن كان قد رآه فقط في صور وظلال (عبرانيين 5:8).
بالنسبة للقديسين المؤمنين، فإن هذه الآلام تجعلنا نكنز كنوزًا في السماء (متى 20:6)، ونحارب خطيتنا الباقية بكل قوتنا (رومية 12:6)، ونعيش كـ”غرباء ونزلاء على الأرض” (عبرانيين 13:11)، ونشارك الآخرين الرجاء الذي لنا (1 بطرس 15:3)، وفي النهاية نرى الموت ربحًا مهما كانت مخاوفنا من اختباره (فيلبي 21:1).
إحصاء أيامنا هكذا علمنا
في تلك الأمسية السعيدة من شهر يونيو 1984 عندما احتفلت أنا وزملائي بتخرجنا من المدرسة الثانوية، لم نكن ندرك مدى السرعة التي ستمر بها حياتنا فحسب، بل لم نكن ندرك مدى الصعوبة التي ستكون عليها حياتنا. لكننا ندرك ذلك الآن بشكل أفضل.
لكن هذا لا يعني أننا جميعًا لدينا “قلب حكمة”. ليس كل زملائي بالفصل لديهم رجاء مؤسس على التفسير السليم لقصر أيامنا وكثرة الأزمات التي تملؤها. لم يدرك الجميع قوة غضب الله وسخطه بقدر مخافته. رحمتك يا الله! افتح عيونهم حتى يدققوا التفكير في هذه الأمور وينجوا من الغضب الآتي!
لكن بالنسبة لنا نحن الذين وضعنا رجاءنا في الله، من الجيد أن نستمر في التفكر في هذه الأمور بصورة جدية، حتى، مع “موسى”، إلى حد الرثاء. لأن الشعور بثقل ايامنا العابرة وحياتنا المُتعبَة يمكن أن يعلمنا أن نحصي أيامنا وبالتالي يعلم قلوبنا الحكمة. ويمكنه أيضًا أن يعلمنا أن نشعر بالمزيد من الفرح الموضوع أمامنا (عبرانيين 2:12) وأن نمتلىء بـ”كل سرور وسلام في الإيمان لتزدادوا في الرجاء بقوة الروح القدس” (رومية 13:15).
بقلم
“جون بلووم”
تم ترجمة المقال بالتعاون مع هيئة Desiring God
يمكنك قراءة المقال باللغة الانجليزية من خلال الضغط على الرابط التالي:
https://www.desiringgod.org/articles/growing-wise-as-we-grow-old



