الحياة أقصر من أن نضيعها تًعلُّم إحصاء أيامنا

أكتب هذه السطور وأنا جالس خارج بيتي مستمتعًا بيوم صاف من أيام منتصف الصيف في “مينيسوتا”. تحيط بي حديقة خلابة مليئة بالشمس والخضرة، ما عدا بعض الزهور الملونة المتفتحة التي تشد الأعين وتجذب النحل والطيور الطنانة. ومن فوق الأشجار يقود طائر مغرد جوقة الطيورالأخرى ليقدم أنغامًا جميلة مع الأصوات المصاحبة.
بينما أجلس محاطًا بهذا العالم الذي ينبض بالحياة، أفكر في مدى قصر الحياة. بلغت مؤخرًا 59 سنة. عام آخر وسأكون في الستين من عمري، إذا شاء الرب وعشت. نظرًا لسرعة مرور السنين سأجد نفسي دون أن أنتبه “سَبْعُونَ سَنَةً، وَإِنْ كَانَتْ مَعَ الْقُوَّةِ فَثَمَانُونَ سَنَةً”، وهو ما يقوله “موسى” وعلماء الاجتماع المعاصرون إنه متوسط عمر الإنسان (مزمور 10:90)، إذا شاء الرب وعشت. لم تعد تبدو نهاية حياتي الأرضية وكأنها في يوم ما، بل في يوم قريب جدًا.
لهذا السبب كنت أعود كثيرًا، في السنوات الأخيرة، إلى ما أصبح أحد مزاميري المفضلة: صلاة “موسى” في مزمور 90. أشارك “موسى” رغبته العميقة في أن يعلمنا الله “إِحْصَاءَ أَيَّامِنَا هكَذَا عَلِّمْنَا فَنُؤْتَى قَلْبَ حِكْمَةٍ” (مزمور 12:90). أود أن أعرف ماذا يعني أن نزداد حكمةً كلما تقدمنا في السن.
يبدأ تعلم إحصاء أيامنا بالتصالح مع قلة الأيام التي أعطيت لنا.
كما لو كان بالأمس
عندما كنت شابًا صغيرًا، كانت عبارة “أتذكر الأمر كما لو كان بالأمس” تشير إلى أحداث وقعت قبلها ببضع سنوات فقط. والآن أجد نفسي أقول ذلك عن أشياء حدثت منذ ثلاثة أو أربعة أو خمسة عقود مضت.
- ليلة مدرسية ممتعة مع “برنت” و”ديف”، أقرب أصدقاء طفولتي.
- رحلة بالسيارة مع أصدقائي بالمدرسة الثانوية ونحن نغني بصوت عال “الوجبات السريعة الأمريكية” على كاسيت “راندي ستونهيل”.
- تلك اللحظة في ساحة سيارات “وايزاتا بركنز” وأنا في الثامنة عشرة، حين شعرت في قرارة نفسي أن “بام” هي الفتاة التي سأتزوجها، ولم نكن حتى نتواعد رسميًا بعد! نحن الآن متزوجان منذ 36 سنة رائعة.
- المرة الأولى التي سمعت فيها “جون بيبر” يعظ وشعرت في قرارة نفسي أن مستقبلي سيتشابك بطريقة ما مع مستقبله، ولم نكن بعد جزءًا من كنيسة “بيت لحم” المعمدانية! والآن، نخدم معًا لأكثر من 30 سنة.
- تلك اللحظة الرائعة في غرفة المستشفى منذ 28 سنة عندما حملت لأول مرة طفلنا الأول. الآن، أصبح هذا الطفل في مثل عمري وقتها.
أتذكر هذه الأحداث كأنها حدثت بالأمس. وتتركني متعجبًا أين مضى كل هذا الوقت. كيف مر بهذه السرعة؟
مثل يوم أمس بعد ما عبر
شعر “موسى” أيضًا بهذا النوع من الحيرة، بل ازدادت عندما قارن حياتنا القصيرة بحياة الله:
“مِنْ قَبْلِ أَنْ تُولَدَ الْجِبَالُ، أَوْ أَبْدَأْتَ الأَرْضَ وَالْمَسْكُونَةَ، مُنْذُ الأَزَلِ إِلَى الأَبَدِ أَنْتَ اللهُ” (مزمور 2:90)
نظرًا إلى ميلنا إلى أن نرى أنفسنا كشخصيات رئيسية في دراما الوجود، فمن الجيد أن نجلس ونتأمل في روح الصلاة في معنى وجود الله “منذ الأزل إلى الأبد”. إنه أمر يحير عقولنا. من المفترض أن يفعل هذا. كما يهدف إلى أن يعيد صياغة تصوراتنا المبالغ فيها عن أنفسنا وحياتنا حتى نراها من منظور واقعي ومتواضع أي المنظور الإلهي. من الضروري أن نضع في اعتبارنا ـ نحن الذين نحسب الزمن بالعقود ـ أن تجربتنا ليست كتجربة الله:
“لأَنَّ أَلْفَ سَنَةٍ فِي عَيْنَيْكَ مِثْلُ يَوْمِ أَمْسِ بَعْدَ مَا عَبَرَ، وَكَهَزِيعٍ مِنَ اللَّيْلِ” (مزمور 4:90)
يستخدم “موسى” هنا صورة مجازية. إذا كان هناك أي شيء فهو يقلل من الواقع. لكن الله يعطينا هذه الاستعارة في الكتاب المقدس حتى يكون لدينا شيء مفهوم يساعدنا على استيعاب غير المفهوم.
إذا تخيلنا أن الله يعتبر ألف سنة مثل الأمس عندما يمضي، فكيف يرى حياة خلائق مثلنا (“وإن كانت مع القوة”) لا تعيش أكثر من ثمانين سنة؟ هذا يعني بالنسبة لله أن أطول حياة بشرية لا تمتد حتى لساعتين من الأمس.
ساعتان غاية في الأهمية
كيف يجب أن تقع علينا هذه الملاحظة؟ إذا خرجنا منها بانطباع أنه لا قيمة لنا في القصد الإلهي العظيم، نكون فقدنا جوهر المعنى. فالله لا يقيس الأهمية بالمدة الزمنية بل بما يُقدِره ويجده ذا قيمة.
| تعلم إحصاء أيامنا يبدأ بالتصالح مع قلة الأيام التي أعطيت لنا.
|
فكر في شيء قمت به لمدة ساعتين بالأمس. هل كانت هاتان الساعتان بدون أهمية؟ تحدث بعض أهم الأشياء في حياتنا في غضون دقائق أو ساعات. ربما تستغرق وقتًا قصيرًا جدًا مقارنة بالفترة الزمنية التي نعيشها، ومع ذلك نعتبرها لا تقدر بثمن.
إذًا، ماذا يُفترض بنا أن نستخلصه من وصف “موسى”؟ ببساطة، حياتنا قصيرة جدًا، أقصر مما نفترض، وأقصر جدًا من أن نضيعها.
إحصاء ايامنا هكذا علمنا
ما يعلمني هذا اليوم الصيفي الرائع لكن القصير في “مينيسوتا” هو أن حياتي أقصر من أن أضيعها. في سن التاسعة والخمسين، أراه صورة مجازية لماضيَّ، وليس لحاضري. أنا الآن في خريف عمري، ومثل أي مواطن من “مينيسوتا”، أعلم أن الشتاء قادم. لن يأت يومًا ما فحسب، بل سيأتي يومًا ما قريبًا جدًا، ربما قبل أن أدرك ذلك.
وهكذا أجد نفسي مصليًا مع “موسى”: “إِحْصَاءَ أَيَّامِنَا هكَذَا عَلِّمْنَا فَنُؤْتَى قَلْبَ حِكْمَةٍ” (مزمور 12:90). لأنني أريد أن أزداد حكمةً كلما تقدمت في العمر.
يدرك القلب الحكيم أن رغم قِصر كل يوم من حياتنا الفانية، إلا أنه بالغ الأهمية لأن دقائقه وساعاته لا تقدر بثمن. فكل يوم قصير من الحياة الفانية له أهميته، ليس فقط لحياة أرضية تعاش جيدًا، لكن للأبدية. “لأَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنَّنَا جَمِيعًا نُظْهَرُ أَمَامَ كُرْسِيِّ الْمَسِيحِ، لِيَنَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا كَانَ بِالْجَسَدِ بِحَسَبِ مَا صَنَعَ، خَيْرًا كَانَ أَمْ شَرًّا” (2 كورنثوس 10:5). كل ما عملنا من خير أو شر يحدث خلال الدقائق والساعات العادية والثمينة من أيام حياتنا القصيرة العادية والثمينة.
بقلم
“جون بلووم”
تم ترجمة المقال بالتعاون مع هيئة Desiring God
يمكنك قراءة المقال باللغة الانجليزية من خلال الضغط على الرابط التالي:
https://www.desiringgod.org/articles/life-is-too-brief-to-waste



