مضياف بشكل غريب ما يميز البيت المسيحي

في عام 2003 عندما تبادلنا أنا وزوجي الخواتم والعهود، كانت “مرثا ستيوارت” أفضل مثال في مجال الضيافة. ربما كان اهتمامها بالبيت وتركيزها عليه أشعل نهضة في الفنون المنزلية، إلا أنه أرسى مقياسًا صعب الوصول إليه جدًا لأغلب النساء. كانت الكثيرات منا بالكاد يستطعن نطق المكونات الموجودة في وصفاتها، ناهيك عن تحديد مكانها في محل البقالة.
ومع ذلك عندما بلغ جيل الألفية سن الرشد، بدأت اتجاهات الضيافة تتغير. كانت الأصالة هي العامل الرئيسي. في الأوساط المسيحية كانت الرغبة في دعوة الناس إلى بيتك كما هو ـ حمام متسخ وغيره ـ علامة على الروحانية، وكان تقديم الزبدة والمربى أكثر “واقعية” من تقديم “الدجاج المشوي” الخاص بـ”مرثا”.
على الرغم من تغير وتقلب الاتجاهات، فإن القلب الكامن وراء الضيافة المسيحية الحقيقية لا يتغير أبدًا. فمحبة الله للغريب هي التي تقود جهودنا المضيافة.
محبة الغريب منذ البداية
إن الكلمة اليونانية المقابلة للاستضافة philoxenia تعني حرفيًا “محبة الغرباء”. رغم أن ليس للعهد القديم نظير عبري مماثل لهذه الكلمة، فإن قصصه تحتوي على أمثلة عديدة على محبة الغرباء. كان السفر في أيام الآباء والأنبياء من الأنشطة المحفوفة بالمخاطر. فالطرق كانت خطرة، وكذلك النُزُل العامة (حتى بالنسبة للأشخاص الذين كانوا يستطيعون تحمل نفقاتها). كان من يسافر في كثير من الأحيان يعتمد على ضيافة الغرباء للحصول على الطعام والحماية.
تأملوا “لوطًا” الذي أدخل ـ دون قصد ـ ملاكين بيته عند باب “سدوم” لحمايتهما من المخططات الشريرة لأهل المدينة (تكوين 1:19ـ3). و”راحاب” التي حمت الجاسوسين الإسرائيليين من اكتشاف أمرهما (يشوع 1:2ـ7). وكذلك الرجل الذي من “جبعة” الذي قدم الطعام والمأوى للمسافر اللاوي (قضاة 16:19ـ21). و”أيوب” عندما كان يتكلم مدافعًا عن حياته التي لا تشوبها شائبة فقال لأصدقائه أنه كان مضيافًا للمسكين والأرملة واليتيم والمحتاج (أيوب 16:31ـ23). لقد أظهر كل واحد من هؤلاء محبته للغرباء.
تم إدخال محبة الغرباء في ناموس بني “إسرائيل” الذي وسع فئة “الغريب” لتشمل أكثر أعضاء المجتمع ضعفًا: المسافرين والغرباء والأرامل والأيتام والمساكين (تثنية 18:10ـ19 أو لاويين 33:19ـ34 على سبيل المثال).
أمرت هذه الشرائع بني “إسرائيل” بتوفير احتياجات المحتاجين. كان عليهم ترك الحزم المنسية في الحقل للغريب وخبط أشجار الزيتون مرة واحدة وترك ما يتبقى للفقير. كما كان عليهم قطف الكرم وعدم “تعليله” حتى يتمكن الغريب من مقاسمة الخير معهم (تثنية 19:24ـ21). لقد جسد “بوعز” روح شرائع الاستضافة عندما أوصى غلمانه بترك الحبوب وراءهم عمدًا حتى تتمكن “راعوث” ـ التي كانت غريبة في ذلك الوقت ـ من جمعها ومشاركتها مع حماتها الأرملة (راعوث 15:2ـ16).
إله كريم الضيافة
ينتظر الله هذا النوع من الضيافة من شعبه، من أولئك الذين تلقوا ضيافته الإلهية. كان بنو “إسرائيل” غرباء ذات يوم في “مصر” حيث عانوا من ضيافة قاسية حتى سمع الله صراخهم وخلصهم من شقائهم. ونحن كنا “بِدُونِ مَسِيحٍ، أَجْنَبِيِّينَ عَنْ رَعَوِيَّةِ إِسْرَائِيلَ، وَغُرَبَاءَ عَنْ عُهُودِ الْمَوْعِدِ، لاَ رَجَاءَ لَكُمْ، وَبِلاَ إِلهٍ فِي الْعَالَمِ” (أفسس 12:2). لكن من خلال الضيافة الإلهية لسنا “إِذًا بَعْدُ غُرَبَاءَ وَنُزُلًا، بَلْ رَعِيَّةٌ مَعَ الْقِدِّيسِينَ وَأَهْلِ بَيْتِ اللهِ” (أفسس 19:2).
الكلمات مثل “بدون مسيح، أجنبيين، غرباء، لا رجاء” تصف بوضوح موقفنا أمام الله بدون المسيح. إذا كان لله أي شيء آخر غير قلب محب للغريب، لكنا هلكنا بكل تأكيد.
لكن الإله الكريم نظر إلى حالتنا البائسة ورحمنا، لم تكن رحمته من النوع الذي يلقي بالعملات الصغيرة الفائضة في كوب من البلاستيك، لكن الرحمة التي تبدل المصائر كلية، وتعيد كتابة التاريخ، وتغير الهويات، وتكرم الغرباء، حتى المتسولين المتمردين، وتحولهم فيصبحون أولاده وبناته الأعزاء. إن تدخل الله الكفاري في “الرب يسوع” هو أعظم إعلان كرم ضيافة شهده العالم على الإطلاق.
من شابه أباه
لكن الرب لم يكتف بإعلان الكرم الإلهي فقط، بل جسده. رغم أن ليس له بيت يفتحه للغرباء، إلا أنه أظهر حُسن الضيافة في رعايته للمرضى والمحتضرين إذ اقترب من المحمومين والبرص. وفي رعايته للمساكين إذ قدم الخبز لأجسادهم و”خبز الحياة” لنفوسهم (يوحنا 35:6). عندما تفحص الرب الجموع التي كانت تتبعه، لم يشمئز من رائحتهم الكريهة أو يحتقر جهلهم بل تحنن عليهم وجمعهم حوله.
| الضيافة المسيحية هي فيض قلب تغير تمامًا بفضل الضيافة الإلهية |
رغم شعوره بالجوع والإرهاق في كثير من الأحيان، إلا أنه استمر يظهر المحبة لأولئك الغرباء: يشفيهم ويطعمهم ويعلمهم ويلمسهم ويتواصل معهم ويغفر لهم. لم يوجد أحد لم يحظ باهتمامه: لا الأطفال الصغار الذين تجمعوا حوله، ولا المرأة المنبوذة من المجتمع عند بئر “السامرة”، ولا المرأة الكنعانية بابنتها التي كانت تسكنها الأرواح الشريرة، ولا الخطاة والعشارون الذين كان يأكل معهم. لقد رحب الرب جدًا بأولئك الذين كانت سمعتهم مريبة، بل حتى سمح لزانية أن تلمسه وتغسل قدميه (لوقا 36:7ـ38).
قبل ساعات قليلة من القبض عليه، غسل الرب أرجل تلاميذه وصلى بحرارة من أجلهم مُبينًا لهم محبته العميقة نحوهم. وفي لحظاته الأخيرة رحب بقدوم لص إلى الفردوس وتوسل إلى أبيه أن يغفر لقاتليه. كان الرب كريمًا حتى الموت وقدم صورة حية لقلب الله المحب للغرباء.
مضياف عبر التاريخ
مثل “إبراهيم” من قبله، ترك الرب أباه وبيته ليسكن بيننا كغريب. واتضع وافتقر رغم غناه. وفي تلك الحالة المتضعة لم يكتف بأن يكون كريمًا بل قبِل أن يكون موضوع كرم الآخرين. كانت “مريم المجدلية” و”يوَنا” و”سوسنة” وأُخَر كثيرات تدعمن خدمته من أموالهن (لوقا 1:8ـ3). واستقبلته “مرثا” مع “مريم” و”لعازر” في بيتهم.
فور أن عاد الرب إلى السماء استكمل تلاميذه تقليد الاعتماد على كرم ضيافة الغرباء إذ أقاموا مراكز الكرازة بالإنجيل في بيوت المؤمنين الجدد. هكذا قابلنا “ليديا”. ولعب “بريسكيلا” و”أكيلا” دورًا مماثلاً في كرم الضيافة في خدمة “بولس” عندما تشاركا معه في “كورنثوس” ومرة أخرى في “أفسس”.
وبعد ذلك عندما نمت الكنيسة وتزايدت، أظهر المؤمنون الكرم لبعضهم البعض فتقاسموا أموالهم وتمادى البعض لدرجة أن يبيع أملاكه ويقدم أثمان المبيعات للرسل لتوزيعها حسب الحاجة. وعندما اشتد الاضطهاد في أحد أرباع الامبراطورية وجعل المؤمنين منبوذي المجتمع الجدد، كانت التقدمات تُلَم من جميع الكنائس لتقديم العون للمتألمين. كثيرًا ما كان المؤمنون المسجونون بسبب إيمانهم يستندون على عطايا شعب الله لتلبية احتياجاتهم الأساسية.
لا تزال الكنائس اليوم تعتمد على كرم ضيافة أعضائها. أدرك “بطرس” هذا وحرض كنائس “آسيا” قائلاً: “كُونُوا مُضِيفِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِلاَ دَمْدَمَةٍ” (1 بطرس 9:4). كما كان الأمر مع “الرب يسوع” فإن الضيافة هي عطاء المؤمنين وتلقيهم للعطايا في آن واحد.
هدف الضيافة يتجاوز الأمور المنزلية
رغم هذا التقليد الكتابي الغني غالبًا ما تُختزل الضيافة في أيامنا هذه إلى دعوة عشاء حيث يكون الطبق الرئيسي، أو مهارات المُضيف، أو حتى الصراحة هي السمة الرئيسية. لكن الضيافة الحقيقية هي أكثر بكثير من مجرد وجبة طعام، الضيافة الحقيقية تُظهر شيئًا أكثر قيمة من مهارات ربة البيت.
تبدأ الضيافة المسيحية بموقف دافىء المشاعر تجاه الآخر، ليس المقصود بالآخر الشخص حسن المظهر طيب الرائحة غير المحتاج المرتاد للكنيسة، لكن أيضًا الشخص غير اللطيف الذي قد يسخر من سلامك المُبهج أو الذي قد ينشر تعليقات سياسية غير لائقة على الانترنت.
الضيافة المسيحية هي قلب رحيم تجاه الغرباء وحريص على ضمهم لعائلة الله. هي قلب محبة مضحية تجاه إخوته المؤمنين وقلب سخي يستخدم ما يملكه لتسديد احتياجات المرسلين. في النهاية هي فيض قلب تغير تمامًا بفضل الضيافة الإلهية.
قد يكون هذا الفيض في صورة دعوة على العشاء في بيتك، أو مكالمة تليفونية للاطمئنان على شخص لم تره منذ فترة، أو تحية حارة لوافد جديد للكنيسة، أو كلمة مشجعة، أو وقفة قصيرة للاستماع والتفهم. قد تتطلب الضيافة الامتناع عن قول شيء ما أو جرح صديق. مشتروات بقالة، أو توصيلة إلى الطبيب، أو توصيلة للأطفال بعد المدرسة، أو رعاية طفل، أو زيارة مستشفى، أو شيك لتسديد نفقات مفاجئة، أو تنظيف منزل، أو فنجان قهوة، أو ورود، أو حُضن.. كل هذا يعكس قلب الله الكريم المضياف.
والمدهش أن الرب يتقبل بلهفة ضيافتك كتعبير عن محبتك له:
“تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي، رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ. لأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي. عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي. كُنْتُ غَرِيبًا فَآوَيْتُمُونِي. عُرْيَانًا فَكَسَوْتُمُونِي. مَرِيضًا فَزُرْتُمُونِي. مَحْبُوسًا فَأَتَيْتُمْ إِلَيَّ. … الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ، فَبِي فَعَلْتُمْ” (متى 34:25ـ40).
لذا لا تمل ولا تيأس أن تكون مضيافًا كريمًا فمليكك يرى كل مجهوداتك ويقدرها، وذات يوم سيرحب بك في بيته السماوي لتكون موضوع الضيافة الإلهية التي تفوق خيالك الأرضي.
بقلم
“تشاريس كومتون”
تم ترجمة المقال بالتعاون مع هيئة Desiring God
يمكنك قراءة المقال باللغة الانجليزية من خلال الضغط على الرابط التالي:



