مقالات

الفرح ضد الملل كيف يقاوم المؤمنون ثقافة الموت

 

أي من هذين الشخصين يشعر بالملل؟ شخص مضطر لحضور مباراة بيسبول لمدة 3 ساعات، يتثاءب، لا يهتم بالأحداث والقواعد، يتوق إلى أن يكون في أي مكان آخر. والآخر قضى 3 ساعات في قلق شديد محاولاً إنهاء ثلثي قائمة مهامه، وشراء غرضين منزليين جديدين من “آمازون”، وتقرير أي تمارين رياضية يقوم بها (حسب تقرير تطبيق اللياقة البدنية الخاص به)، ويتوق إلى تحقيق جميع الأهداف التي وضعها.

نعم، إنه سؤال مخادع: كلاهما يشعر بالملل. يمكن لمقال كتبه الفيلسوف “مايكل هانبي”، بعنوان “ثقافة الموت، وأنطولوجيا (وجودية) الملل، ومقاومة الفرح” أن يساعدنا على فهم كيف يعاني الشخص الثاني، الذي يبدو نشطًا وطبيعيًا للغاية، من كآبة الحياة الصناعية الحديثة ولا يستطيع الشعور بالراحة. نتيجة لذلك، يمكن لمقال “هانبي” أن يذودنا بمجموعة من الأدوات التشخيصية حتى نتمكن من فحص قلوبنا وتصرفاتنا، وفي الطريق، إيجاد منفذًا.

ثقافة الموت

يرى “هانبي” (ومع آخرين) أن ثقافتنا الغربية الحديثة “ثقافة موت”. كما يرى الأعراض التي تظهر على ثقافتنا المريضة كالإجهاض والقتل الرحيم، بالطبع، والعنف الإرهابي والمادية العلمانية والتلذذ بالنفس والمتعة و”هوس الاستهلاك المحموم” (184). في ثقافة الموت، لا شيء يمكن أن يرضينا. لقد أصبحت الأشياء في عالمنا مجرد وسائل ـ وسائل لمشاريعنا الموجهة ذاتيًا لبناء وتأمين القيمة والخير والمعنى ـ وبالتالي لم تعد ذات معنى أو خير أو غاية في حد ذاتها.

مساحات كبيرة من الأرض تظل “شاغرة” إلى أن يتم شراؤها وإخلاؤها والبناء عليها. والأشجار ليست سوى مواد خام للاستخدام البشري في مشروع البناء هذا، أو ربما “يقدرها” البعض، ولكن كرموز فقط. لا “قيمة” لحياة الإنسان إلا لو كان (أو كانت) قادرًا على القيام بمجموعة من الوظائف. لا بد من جعل العالم قابلاً للتحكم فيه أو على الأقل ممتعًا.

في واقع الأمر، خلف كل لذة ظاهرية، فإن ثقافة الموت لدينا تحتوي على اعتقاد خفي لكن جوهري عن طبيعة الواقع. تنشأ الأعراض المذكورة أعلاه، كما يعتقد “هانبي”، بسبب “مرض أكثر أهمية”: الملل (184). لا تتعلق وجهة نظره بالشعور الذي ينتابنا أثناء مباراة بيسبول لا نهاية لها بقدر ما تتعلق بنظرتنا الخفية حول ما إذا كان البيسبول ولاعبوه والحشائش الخضراء والسماء فوقه فارغين أم ممتلئين، رُقاق أم غِلاظ، صامتين دائمًا أم ناطقين بالفعل.

أنطولوجيا الملل

إن طبيعة الأشياء (الأنطولوجيا) هي جوهر الخلاف هنا لأن الملل، كالعديد من ردود الأفعال العاطفية التي نشعر بها، هو بمثابة الحُكم. في الماضي، تكلم المؤمنون عن خطايا الملل (الكسل) والفتور (التراخي). كانت هذه سقطات أدبية لأن، كاستجابة للعالم الذي خلقه الله، فشل الإنسان في أن يتأثر أو ينقاد أو يُسر بعمل الله، الذي هو في طبيعته صالح وهادف ومُقنع. يضيف الملل إخفاقًا آخر على هاتين الخطيتين: “فشل العالم في أن يكون مقنعًا لشخص يحق له مثل هذا التوقع” (184). وهكذا فإن الملل، كما يقول “آر. جي. سنيل”، هو “عدم مزدوج” لكل شيء: الحكم بأن لا العالم-الموضوع ولا الأنا-الشخص مُقنع أو مُجبر، ولا يتمتع بأي خير أو جمال أو معنى أو قيمة جوهرية.

عندما لا يكون أي شيء أراه قادرًا على توصيل الخير الحقيقي لي، عندما لا يكون هناك أي شيء مقنعًا في حد ذاته، فإن رغبتي المخلوقة للخير لن تجد أبدًا مكانًا للراحة. وهكذا سأسعى، مثل “آدم” و”حواء”، للسيطرة على الخير الخاص بي وتحقيقه. وسأستخدم أدوات مثل العلم “لإخضاع الحياة الهشة بشكل روتيني ودقيق لآلية الكفاءة الاجتماعية والاقتصادية” (188). ونتيجة لذلك أصبحنا شعبًا ضيق الصدر، وناقمًا، وساخطًا، ومسرفًا، ودائم البحث عن الأداة الجديدة والأكثر كفاءة لتصنيع أقل قدر من المتعة. نحن شعب “لا ينام، ولا يرتاح، وليس به مكان لغير الأكفاء (مثل الذين لم يولدوا بعد، والمعاقين، وكبار السن)” (189).

يشير “هانبي” في تشخيصه لداء الملل الذي نعاني منه إلى “نيتشه”:

“عالم “ما وراء الخير والشر”، الذي لا يوجد فيه شيء خير بحق أو شرير بحق، ولا يظهر فيه الحق أو الخير أو الجمال، هو عالم لا يوجد فيه شيء مرغوب أو مكروه في حد ذاته… وبالتالي فإن الملل هو الصفة المميزة لشعب معرض لخطر فقدان قدرته على الحب، أي شعب معرض لخطر الفشل في إدراك “سر وجوده” وفقدان إنسانيته” (187)

لهذا السبب يزعم “هانبي” أن ثقافة الموت ليست نتيجة الإفراط في اللذة. “نحن نفتقر إلى الأرواح التي تمكننا من أن نكون من محبي اللذة الصالحين، وهو ما قد يُشكل، في ظل الظروف الحالية، إنجازًا أخلاقيًا” (192).

ماذا سيحدث إذا آمنا وعشنا حقًا حسب تعاليم الكتاب المقدس بأن “الله صالح” وأن “كل خليقة الله جيدة”، بل “حسن جدًا” (مزمور 1:73؛ 1 تيموثاوس 4:4؛ تكوين 31:1).

مقاومة الفرح

نتعلم من الكتاب المقدس أن الكون وكل ما فيه حسن لأن الله، الخالق، صالح. فالله ليس فقط “أفضل ما في الوجود” بل هو الصلاح نفسه، بلا حدود، وبصورة كاملة وأبدية. النجوم والأشجار وجميع البشر هم مخلوقاته، وبالتالي فكل واحد منها، بما له من خير مماثل، يعلن أن الله حسن وصالح بصورة مجيدة. هذا اللاهوت عن صلاح الله المطلق وصلاح الخليقة يتماشى بكل دقة مع مذهب اللذة المسيحية. إذا كانت كل الأشياء الأرضية التي نصادفها تنقل لنا الخير، فإننا نستطيع أن نتمتع بها لما هي عليه في ذواتها ولأنها توجه انتباهنا إلى لذتنا القصوى والأسمى ـ الخير المطلق والأسمى، أي الله نفسه.

تماشيًا مع هذه النظرة المسيحية القديمة للعالم، فإن العلاج المضاد الذي اقترحه “هانبي” للملل السائد بشكل غريب في ثقافتنا هو الفرح.

لكن هذا الفرح ليس مجرد شعور. إن اقتراح “هانبي” هو فرح مدعوم برؤية كتابية عن الخليقة وتدعمه ثقافة معينة. “إذا كان الملل يشير إلى علاقة بين الذات والعالم، أو بالأحرى علاقة فاشلة، فكذلك الفرح، البهجة والراحة في آن واحد في الآخر” (192). وبينما يكون الملل هو “العدم المزدوج” للعالم والذات، فإن الفرح هو التأكيد المزدوج لهما.

إن الفرح هو الصدى لكلام الله الأول في الخليقة. بينما خلق الله كل الأشياء وقال عنها بكلمته القديرة ـ “حسن ـ فإننا نأخذ كل شيء من يده ونردد كلمته مع إعلاننا بالاكتشاف: “آمين!”. بينما يجعلنا الملل مجرد مستخدمين ومستهلكين للأشياء، ساخطين على الدوام، يعيدنا الفرح إلى مكانة المُحب: شخص يتأثر بصلاح الأشياء ويُخضع نفسه للراحة فيها. بدلاً من الرغبة دائمًا في تليفون أو مظهر أو شريك جديد وأفضل، بدلاً من الحاجة الدائمة إلى نسخة “أفضل” من مكانة أو من الذات، فإن الفرح يعتز ويُسر بكل شيء كما هو. يمكن للفرح عمل هذا لأن كل الأشياء تحمل بصمة خالقها: “كل فرح حقيقي، وكل لذة تعترف بالخير الجوهري، ستعكس البهجة الثالوثية” (197).

لهذا السبب بالتحديد، يمكن للفرح أن يكون مقاومتنا لثقافة الموت المحيطة بنا. يرفض الفرح النظر إلى الأجنة التي لم تولد بعد، إلى الجدة العجوز، وإلى الأراضي غير المزروعة كمشاكل يجب البحث عن حلول لها. في المقابل، يمكن لمن يعيش في ثقافة الفرح أن يعتبرها عطايا لأنه يستطيع رؤية المعطي ـ وصلاحه ـ فيها. بل يمكن لمثل هؤلاء الأشخاص أن يشعروا بالاطمئنان والراحة، لأنهم يفترضون أن الله يخاطبنا من خلال الجمال الفريد لكل خليقة وصلاحها، ومع ذلك، “لا يمكن اختزال كل الأشياء لتحقيق سعادتي” (193). إذا قمنا بهذا، سنكون قد تشبهنا بإلهنا المثلث الأقانيم.

طريقة وليس حلاً

ما يقترحه “هانبي” هنا ليس حلاً على الإطلاق. لا يوجد أي حبة دواء، أو مرشح، أو سياسة يمكنها حل مشكلة الملل الذي نشعر به. ما يوصينا به هو “ثقافة الفرح” باعتبارها “الشكل الحقيقي الوحيد لمقاومة ثقافة الموت”.

أولاً، العلاج المضاد ثقافة. إنه طريقة: طريقة للعيش والتأمل واتخاذ القرار. إنه ليس مجرد اقتراح جديد. يجدر بنا أن ندرك هذا لأن الملل عمل على تغذية ثقافة الموت. الملل ليس مجرد فكرة بل هو طريقة في أن يمضي المرء يومه أو سنته أو حياته كما لو أنه لا يوجد شيء جيد أو سيء في العالم، كما لو أنه لا يوجد بهجة أو راحة يمكن الحصول عليها ـ حتى في الله نفسه. تتطلب مواجهة كل هذا ثقافة معينة أو طريقة حياة جماعية.

ثانيًا، ثقافة الفرح هي مقاومة وليست حلاً. قد تساهم أفعالك إلى حد كبير في حل هذه المعضلة التي أصابت الثقافة كلها وأنت قد تعيش لتشهد حدوثه وتفرح. ومع ذلك، قد نكون أنا وأنت مجرد شخصيات صغيرة أمينة في دراما تمتد إلى ما قبل حياتنا الأرضية وما بعدها. وعلى الأرجح، سيتطلب الأمر منا أن نكون مثل “جالادريل” في رواية “تولكين”، التي “قاومت الهزيمة الطويلة” على مر العصور، أو مثل  “ريني” لـ”ليف إنجر” الذي يعيش عنوان الرواية “أرفض بكل سعادة”.

إن اقتراح “هانبي” يُعد بمثابة دعوة إلى الأمانة المسيحية ـ بغض النظر عما نعتقده أنه يمكننا أن نتكهن بمسار الثقافة والتاريخ. إنه أسلوب معيشة يومية وسنوية ودائمة كجماعة من أولئك الذين يدعونا الرب إلى حمل صليبنا في محبة من أجل السرور الموضوع أمامنا. ستأتي نهايته السعيدة يومًا ما، رغم كل الخسائر التي تكبدناها طوال الطريق، وسيعيد الله تأكيد وتجديد صلاح خليقته.

مقاومة الفرح التي يوصي بها “هانبي” هي مقاومة مسيحية بوجه خاص. إنها بالضرورة وفي الأساس فرح في الله من خلال “يسوع المسيح”، لأن الخير والجمال الأصليين اللذين نراهما في العالم هما بالضرورة من مكان آخر: العالم “يحقق خيرًا ويكشف عن جمال يفوقه”. إنهما عطايا الله الوهاب، بشرط أن نتمتع بها ونعترف بعمقها وشبهها بالله نفسه. “هانبي” واضح في قوله:

الله نفسه هو الفرح: خير كل الخير، التوافق التام بين العطاء والأخذ، وكمال السرور، بما يتجاوز البداية أو الهدف أو النهاية… هذا هو المصدر الذي يستند عليه أي نداء للخليقة إلى الخير الحقيقي، وهذا ما تفترضه وتؤكده كل حالة من حالات الفرح الحقيقي” (196 ـ 197)

الله، الذي هو الحياة، يقوي من مقاومتنا لثقافة الموت.

تحديد الخير

قد تأخذ تنمية ثقافة الفرح هذه أشكالاً لا حصر لها. أترككم مع واحد منها: التسمية الصحيحة للأشياء. كما يقول الكاتب “هادن تيرنر”: “أن تعطي للشيء اسمًا فهذا يدل على الحب. إذا قمت بذلك بشكل صحيح، فإن التسمية تعطي قيمة وكرامة وهوية لما تم تسميته. إنه عمل يقظ، وإدراك لطبيعة الشيء”. لمقاومة الملل، يجب أن نستعيد دعوتنا الأصلية إلى تسمية العالم التي دعانا الله إليها: أن نرى المخلوقات على حقيقتها ونصفها بأنها عطايا غنية وحسنة تشير إلى صلاح الله الكامل.

إن النظر إلى ماضينا، ما وراء الأفق الحديث، يشكل بداية لائقة. تسمية الجنين الذي لم يولد “إنسانًا”، تسمية أول يوم في الأسبوع “يوم الرب”، ثم معاملتهما على هذا الأساس هو الخطوة الأولى اللازمة لمقاومة ملل ثقافة الموت التي لا تستطيع تسمية أو تقدير الخير على أنه خير. في النهاية، فإن سماع الله، وتسميته على النحو الصحيح، وتقديره باعتباره أبانا الصالح يمكن أن يكون أكثر عمل مسيحي وجوهري من أعمال المقاومة السعيدة التي يمكننا أن نقوم بها معًا في هذه الحياة.

 

 

بقلم

“مات كراتشمر”

تم ترجمة المقال بالتعاون مع هيئة  Desiring God

يمكنك قراءة المقال باللغة الانجليزية من خلال الضغط على الرابط التالي:

https://www.desiringgod.org/articles/joy-against-boredom

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى